عن الأثر الخفي للوباء

بنهاية الأمر، ستقدم منظمة الصحة العالمية إحصائياتها لضحايا الفيروس. لن تتسع الإحصائية لمشلول مات عطشا بدار رعاية هجرها العاملون لانقطاع الكمامات الواقية. لن تتسع لمهاجر ألقى بنفسه من نافذة بعد خسارة عمله، و انسداد سبل العودة إلى بلده. لن تتسع لمشرد مات متجمدا ذات ليلة قارسة، بعد إغلاق محطة مترو كان يتخذها ملجأ دافئا. لن تتسع لمدمن هيروين مات بنوبة انسحابية، لما فصل حظر التجول بينه و بين بائع الهيروين. لن تتسع لبائع الهيروين الذي مات بطلقة من رجل عصابة مدين له، بعد أن كسر الوباء سلاسل التهريب عبر الحدود. لن تتسع لرجل و امرأته دفعهم الهلع لتجرع سماد يحتوي مادة الكلوروكوين، حين سماعهم ترامب يتحدث عن فعاليتها في الوقاية من الفيروس. لن تتسع لقطة سيامية مرفهة لم تتعلم الصيد قط، قد أطلقها أصحابها لجوع الشارع، إذ قرأوا أن القطط قد تعدي أصحابها. لن تتسع لرجل نجا من الفيروس، و خسر حياته في شجار على آخر رزمة ورق تواليت في سوبر ماركت. لن تتسع لشرطي في نقطة تفتيش، دهسه سائق امتنع عن التوقف لأسباب لن يعلمها أحد. لن تتسع لأسرة ماتت بوليمة مسمومة طبختها ربة منزل، اكتشفت أن زوجها صار في حالة حرجة بالعناية المركزة، و لا تعرف كيف تخبر أطفالها لوحدها. لن تتسع لموظف استقبال عالق في مصعد بفندق خلا من السياح، و لم يعد هناك من يستجيب لزر الطوارئ الموصول بشركة صيانة المصاعد، و لن يستمع لصراخه أحد. لن تتسع لقبيلة معزولة في غابة أمازونية وُجدت جثثهم متعفنة، بعد أن استغلت شركة للاحتطاب زمن الوباء فأرسلت فرقة حطابين إلى الغابة، أحدهم كان يكثر من السعال و هو يتلمس جذوع الأشجار لينتقي أيها أجدر بالبتر. لن تتسع لجاسوس يفضل أن يموت بالوباء، و لا أن ينكشف سره في المستشفى. وحتما لن تتسع لكابتنة طائرة وحيدة هوت طائرتها الضيقة، مثل تابوت وقع في بحيرة، و هي في طريقها لإيصال عينات فحص الفيروس لعيادة في قرية نائية بإندونيسيا. و من المؤكد أيضا، أنها لن تتسع لضحايا الوباء في القرية التي لن يصلها الفحص!

طارق الجارد، ١٤ مايو ٢٠٢٠م، الرياض

من يبني جسور أمستردام؟

على جسر واعدت رفيقتي بالعودة في موسم التوليب. قد سبقناه بأسبوع و ما عاد متاحا لنا سوى أزهار لم تنضج بعد، و أخرى مبتورة يمكن شراؤها قبل التجول في مراكب قنوات أمستردام، تحت الجسور. يوجد في أمستردام ١٣٠٠ جسر بحسب تقدير بلديتها. يسهل على البلدية تعداد سكان أمستردام و يصعب عليها تعداد جسورها، فلا يوجد شهادة ميلاد أو وفاة للجسور، و ليس كل الجسور قد بنتها البلدية. الجسور فيها ملونة كأمزجة البشر، و بنيانها متمايز بتمايز بنيان شخصياتهم. ثمة جسور وقورة لا يمكن تقدير عمرها إلا بآثار الشيخوخة على ملامحها، و الندبات على درابزيناتها. و ثمة جسور صاخبة تمور باعتداد الشباب، و لا تتركك دون أن تصدح بالغرافيتي الملون على أقواسها. ثمة جسور تضج بخطوات العابرين، و ثمة جسور وحيدة تحن لوقع الحياة. لا يوثق أحد سيرة الجسور. و لا يعتني بتسجيل ميلادها اعتناء زارعي أزهار التوليب بسلالاتها. للجسور حكايا، و حكاياها لا تختلف عن أساطير أهالي “الأراضي المنخفضة” و فلوكلورهم، لا يُعرف مصدرها. حكايا جسور أمستردام، مثل أراضيها المنخفضة، معرضة للمد و الجزر عبر الأجيال، و على الألسن. ”الجسر النحيل”، الذي ظهر في أحد أفلام جايمس بوند في السبعينات، كان لأختين يتيمتين فقيرتين استندا على بعضهما في الطفولة، ثم فرقهما الزواج على ضفتي القناة. فبنيا جسرا نحيلا لا يتسع للبضائع و الأبقار، لا يتسع سوى للقاء الأختين. القصة الأخرى، أن الجسر كان فعلا من أجل أختين، و بناه أبوهما التاجر الذي ينتمي لعائلة ثرية اسمها بالهولندي “النحيل”. و مؤخرا أعلن مؤرخ، أنه اطلع على مخطوطة من القرن السابع عشر تتحدث عن الإعداد لبناء جسر قريب من موقع الجسر الحالي، أيام العصر الذهبي للإمبراطورية الهولندية. إلا أن الانكماش الاقتصادي الذي أصابها، أدى إلى انكماش مشروع الجسر و هزاله. على ما افترض. 

حكايا جسور أمستردام، مثل أراضيها المنخفضة، معرضة للمد و الجزر عبر الأجيال. معظم هولندا أدنى من البحر بسبع أمتار، والرياح العاتية تهب دوما منه باتجاهها. كان البحر دائما ما يفتح فكه المرعب و يفيض عليها مبتلعا أراضيها و أهاليها. اختار الفايكنج و الجرمانيون و الرومان أن تكون معاركهم و ملاحمهم مع الشعوب الأخرى داخل أوروبا و حولها، أما الهولنديون المجانين، فقد أداروا ظهرهم للقارة و ضجيجها، و اختاروا أن تكون معركتهم و ملحمتهم مع البحر. لم نصدق أنا و رفيقتي أن القنوات العذبة التي خاض قاربنا فيها تحت جسور أمستردام ليست نهرا، بل أنجالا للبحر سباها الهولنديون منه. لم نصدق حتى تتبع قائد قاربنا صلة القنوات بالبحر. بعد أن غمسنا أصابعنا في أحد القنوات و تذوقنا عذوبة الماء. 

المعاتيه! يضربون على البحر حصارا بمصدّات و سدود بحرية، فلا يمر جيل واحد حتى تصبح تلك المياه المحاصرة عذبة (إذا لم يثور عليهم و يغرقهم). ثم يبنون على أطرافها طواحين هواء، تحصد الرياح و تدير بها سواقي تضخ المياه الفائضة نحو البحر، فتنوء أراض سبخية صالحة للاستزراع و الرعي، يحفرون بينها قنوات تجزؤها للري و التنقل بين الأكواخ. إن مهمة الإقطاعي في تلك الأراضي أسهل بكثير منها في بقية أوروبا. إنه الوحيد الذي يملك الأموال لبناء و تأجير العمال و المهندسين لبناء طاحونة الهواء التي تضخ الماء باتجاه البحر. لا يحتاج إلى الجنود و محصلي الضرائب، فإذا لم يدفع الفلاحون له المكوس و يهبونه جزءا من محصولهم و أجبانهم، هددهم بتعطيل طاحونة الهواء، و ترك البحر يقوم بمهمة اقتصاص ضرائبه منهم!

كنا نقضي النهار في زيارة المتاحف و المعارض، طواحين الهواء و أكواخ الجبن، حقول دوار الشمس و متاهاته. و في العصر و المساء، نتجول على جسور أمستردام و كأننا مكلفين بتعدادها، أو نتسكع على المقاهي لنطل على الحياة تذهب و تعود في القنوات.

على العكس من رفيقتي، لا أجيد إلا السهر ليلة السفر، ثم النوم في الطائرة. خرجت لوداع المدينة و رؤيتها آخر الليل و عند طلوع الفجر (أحب أن تسجل ذاكرتي لحظة الشروق في كل بلد أزورها). كان أسلم الخيارات للمشي وحيدا ساعتها -من تجربتي في السفر- التدرّع بالصخب في الشوارع المزدحمة و المضيئة، و تحديدا في حي الأضواء الحمراء، سيء الصيت. كانت أتأمل انعكاس الأضواء الحمراء على القنوات المائية، و أنا أتردد بجانب الجسور، و أخترع حكاية في بالي لكل جسر تخصه، و قصة حدثت عليه. حتى بدأ الفجر يطل، فقررت أن أتأمل الشروق و أنا أعود للفندق. كنت أسير على ضفة إحدى القنوات، و أنصت لصمت المدينة الذي أصخب كل الأصوات الرهيفة. كنت أسمع زقزقة العصفور، و بالكاد تراه عيني. بل أستطيع أن أميز صوت كل موجة رقيقة على سطح الماء -منفردة- في هذا الصباح الساكن. و لذلك حينما خرجت فتاة على شرفتها، عرفت ذلك من صوت تثنّي فستانها، و شَخُص نظري نحو شرفتها. بدأت تنادي أحدهم في الشرفة على الضفة الأخرى. كان همسا مسموعا لا يوقظ الجيران، لكنه كافٍ لجعل وردة التوليب على الضفة الأخرى تتفتح و تتثنى نحوها بإنصات. خرج شاب من الشرفة الأخرى مبتسما و ملوحا، و بدأت تناجيه بصوت يميل بسبلات التوليب لشرفتها، و يمد ساقها نحو ضفتها لتصغي. و لما خرج الشاب من منزله، رأيت الوردة قد صارت جسرا يعبر عليه للقائها!

لم يثر الجسر الجديد دهشة أحد سواي، فلا يوجد شهادة ميلاد لجسور أمستردام كما قلت، و ظهور جسر جديد في مدينة لا يمكن إحصاء جسورها، لن يسترعِ انتباه الشاب و الفتاة في مدينة تتكاثر فيها الجسور بالشوق، و تذوي بالهجران، كورود التوليب. كل ما يملكه الهولنديون: خلق الحكايا عن الجسور كخلق الحكايا عن الحب، أو هكذا أظن. لا يمكنني الجزم بشيء لم يره أحد سواي، و لا أستطيع إخبار رفيقتي بما رأيت، و إلا ستظن أن أبخرة الماريوانا المنبعثة من حانات حي الأضواء الحمراء قد عبثت بخيالي. لكنني أمنيّ النفس بالعودة في موسم التوليب، و مشاركتها رؤية مشهد مماثل.

على جسر واعدت رفيقتي بالعودة في موسم التوليب. ثم دارت الدنيا مثل طاحونة هواء قطّعت مراوحها السبل بيننا و بين هولندا في هذه الجائحة. و ما عاد متاحا لنا سوى رحلة افتراضية على خرائط قوقل ثلاثية الأبعاد، و مواقع النت لحقول الزهور. كنت أتجول بها -على ميعادنا- في حقول النت الافتراضية بحثا عن الحياة و الأمل، في موسم قد لا يتكرر علينا (إن كانت هذه العبارة دائما صادقة، فهي أكثر صدقا من أي وقت مضى). و بينما أدور بها في حقول التوليب الرقمية، صارحتني أنها تحب دوّار الشمس أكثر، خصوصا بعدما ذهبنا إلى متحف فان جوخ بأمستردام و رأينا لوحة دوّارة الشمس، و مشينا في متاهة دوّار الشمس في الحديقة التي خارجه. لاحظت أن رفيقتي تتلمس وشاح دوار الشمس الذي اقتنته من هناك حول عنقها و هي تحكي لي و تنظر بعيدا. كان وجهها الوضيء يزداد إشراقا مع كل كلمة، فلم أفزع لمّا اقتحمت دوارة شمس عملاقة نافذة البيت، و حطّت بيننا بالصالة. لقد أحطت بذراعي ذراع الشمس، ثم امتطينا سوية دوّارة الشمس التي صارت جسرا نحو أمستردام.

طارق الجارد، ٩ مايو ٢٠٢٠، من على الجسر الواصل بين الرياض و أمستردام.

من لم يعبأ بهم قوقل

أولئك الذين لم يعبأ بهم قوقل، و لا تجد لهم حسابات في تويتر. الذين لا يملكون مترا مربعا في هذا العالم، و لا يمنحهم العالم الافتراضي كيلوبايتا واحدا. لا تجد العناكب أشياء لهم تغزل عليها شباكها، و لا تتسع الشبكة العنكبوتية لأسمائهم. هم ذاتهم الذين لم يحتاجوا يوما لتأشيرة دخول، و لا يملكون بدءا جوازات سفر ذات صفحات خاوية تنتظر أن تملأ بالأختام. لاتوجد تذكرة طائرة وحيدة بأسمائهم، و لا حتى تذكرة حافلة. لا يمكن أن تجدهم في دليل الهاتف و لن يتعرف عليهم سنترال،  و لا تحمل أية رسالة عناوين بريدهم، و لا يوجد لهم صندوق وارد الكتروني. الذين لم يوقّعوا شيكا في حياتهم، و لم يُكتب اسمهم على شيك قط. الذين لم  تحتضن الصناديق الانتخابية أصواتهم أبدا، و لم تطرق أبوابهم أي حملة مرشح. الذين لا يملكون أبوابا تطرق!

أولئك الذين لم يتصل بهم أحد لتسويق بوليصة تأمين، و لم يملكوا قط شرائح جوال يمكن الاتصال بها. لم يكونوا محظوظين أبدا للفوز باليانصيب، و لم يحاول أن يبيعهم أحد الفرصة. لا يحملون بطائق هوية في جيوبهم ، ولم يفكر أن يسألهم شرطي واحد عنها. لا يوجد رقم سري لضمانهم الاجتماعي، و لم تؤرشفهم البيروقراطية أبدا.  الذين لا تطلبهم الدولة شيئا، و لا يطلبون منها شيئا. الذين لا تبالي ببصماتهم الالكترونية مؤسسات الاستخبارات، و لا تريد التجسس عليهم أي جهة سرية. الذين لا تحاول قمعهم الحكومات، و لا تتلصص على ما يقولونه. هم ذاتهم من يدخلون المستشفيات تحت مسمى السيد إكس حينما تدهسهم السيارات، و تحمل صور أشعتهم المقطعية تواريخ ميلاد خرافية و أعمار خيالية حتى لا تختلط بأشعات الآخرين.  الذين لا تتأثر ميزانيات الرعاية الصحية بعلاجهم في حالات الطوارئ، و لا يبالي بعبئهم دافعي الضرائب. من لم تحمل قائمة ملجأ للمشردين اسمهم ذات ليلة شتاء قارس، و لن تحمل جرائد الصباح التالي إعلانات التأبين لأجسادهم المتجمدة. من لم يرسم ملامحهم فنانو الشارع المتبطلين، و لم يصورهم الصحفيون المستقلون ذات مظاهرة عابرة. الذين لا يحمل أي كتاب تخرج مدرسي صورة لهم، و لا يحتفظ أحد بصورة لهم في محفظته، و لم يتموضعوا أبدا لأخذ صورة في معمل تصوير، و لا حتى بروفايل جانبي يصوره شرطي غير خبير في مخفر. الذين إن مروا بالخطأ في مجالها، لا تبقي صورهم كاميرات المراقبة الأمنية في أرشيفها .

أولئك الذين لا يمكن التصور أبدا أن يظهر بلاغ بالبحث عن مفقود خاص بهم ، و لن تجد وسيلة لإخبار أقاربهم إن مرضوا، و لن يتعرف عليهم أحد إن ماتوا. أولئك الذين ستصدر تصاريح بدفنهم تحمل أسماء وهمية. أولئك، دون غيرهم، القادرين على جعلنا نتأمل بتواضع الحجم الحقيقي للحياة.

طارق الجارد

مونتريال، أغسطس ٢٠١٣

مركبة الزمن أو ترجمتي لقصيدة والاس ستيفنز

بالأمس حدثني أحدهم من أربعة آلاف سنة، و اليوم أنا أتحدث مع أحد سيعقبني بأربعة آلاف سنة. فبينما يدير الفيزيائيون تلسكوباتهم عبر الكون بحثاً عن نفق زمني، يعرف القراء أنه موجود على الأرض بين دفتي كتاب!

أبحث في الكتب عن من يكلمني من قبل مائة سنة، بالأحرى من أيام الإنفلونزا الإسبانية.  من يخبرني عن الطريقة المثلى للتعامل مع عزلة الوباء.  الوباء مثل دب أمريكي خفي، أفضل طريقة لتجنب هجمته الوحشية: الصمت و السكون. سيقترب منك، سيتشممك، و لكن إذا كان السكون معتزلك، قد يتجاوزك.

والاس ستيفينز، الشاعر الحائز على البوليترز عام ١٩٥٥م، قضى عام الجائحة في كونيتيكت، و كانت من أكثر الولايات التي صفعها الوباء بمخلب دب أمريكي خفي. عاصر والاس الحرب العالمية الأولى، الانفلونزا الإسبانية، الحرب العالمية الثانية و سقوط القنبلة النووية، و بداية الحرب الباردة. كان يقرض الشعر طوال تلك الأحداث، و لكنه لم يكتب هذه القصيدة إلا بعد أن نجا من ذلك كله. إن هذه القصيدة ما هي إلا اختمار لفن العزلة و الاختلاء بكتاب في عالم يمارس الجنون (يكفي أن ننوه أن والاس كان يعمل في مجال التأمين، لندرك أنه أجاد هذا الفن بحرفية عالية).  و حينما أقرأ كلماتها أشعر أن والاس يكلمني عبر الزمن، و ينقل لي فن السكون و الاعتزال:

(صَمَت المنزل و استغرق العالم في السكون)

قصيدة لوالاس ستيفنز 

صمت المنزل و استغرق العالم في السكون.

والقارئ أصبح الكتاب، 

و مساء الصيف تجسد كالكائن الواعي من دفتيه.

صمت المنزل و استغرق العالم في السكون.


تُليت الكلمات و كأن لا كتاب،

لولا هاجس القارئ المنحني على الصفحات:

أينحني أكثر باحثا عن الحكمة؟

أو لعله من سطّر كلماتها في الكتاب؟!

فتراءت له الفكرة صافية كالمساء الصيفي!

و أنصت المنزل كما يجدر أمام الكتاب.


ليس الصمت إلا امتدادا للمعنى،

و يداً للعقل الذي يقلب الصفحة بحثا عن التمام.

فاستغرق العالم في السكون.


 آلحكمة في عالم خال من الضجيج،

 حيث لا معنى سواها،

هي السكون؟

هي الصيف و المساء في آن؟

هي القارئ الساهر، المنحني هناك؟!

المتّكى السحيق

نتكئ على معرفة بشرية عمرها ٤ آلاف سنة لفهم سالفة لا نحتاج أكثر من ٤ دقائق لفهمها و نحن متكئين. لسنا بحاجة للجلوس من اتكاء، و لا حتى للخروج صارخين “يوريكا” حينما نستوعبها، ففي الخارج عسسٌ يحرسون المدينة من الطاعون. قيل لنا أن ما حصل سيدخل كتاب التاريخ، و أن قارئ الخبر سيصبح كلماتاً في الكتاب. وصلنا إلى مرحلة من التجريد لم نعد من بعدها بحاجة إلى أعوادٍ حمراء و سوداء لإدراك ما حصل.  قبل ميلاد المسيح بمئتي سنة، كان محصّل إمبراطور سلالة الهان، يرتب أمام الفلاح الصيني أعوادا حمراء و سوداء، ليشرح له كم ستعطيه الدولة مقابل محصول الأرز، و كم ستأخذ من الضرائب. كان بإمكان المحصل أن يعلم الفلاح حساب الأرقام الموجبة و الأرقام السالبة، أو على الأقل أن يختار حجارة حمراء و سوداء بدلا من الأعواد. إلا أن الأعواد قصيرة كصبر المحصل، و تشبه بشكل مرعب العصي التي يحملها الجنود المرافقين له!

في ذات الحقبة، و على بعد آلاف الكيلومترات، كان الإغريق مشغولين بصفحة السماء و تعامدها مع اسطرلاباتهم، بطول المنارة البحرية و مساحة المثلث الذي يرسمه ظلها، بحجم حوض السفينة ذي الشكل الغريب. و لم يفهم أرخميدس ما الحاجة إلى أرقام سالبة لا تمكنه من قياس المسافة بين نجمين، و المساحة داخل المثلث، و حجم حوض السفينة، أو حتى حجم تاج الملك الذهبي دون إذابته. و بدلا من رؤية فائض الماء الذي يطفح من المغطس حجما ناقصا يمكن قياسه بالأرقام السالبة، اختار أن يجمع الفائض من الماء بعد تغطيس التاج و يريه للملك، فمن يجرؤ أن يخبر الملك أن حجم التاج ليس سوى رقما ناقصا؟!

 على النقيض من الإغريق، كان الفراعنة يتطلعون إلى باطن الأرض بذات الدرجة التي يتطلعون بها إلى السماء. أنسينا أنهم- قبل ٤ آلاف سنة- يبنون أهرامات تنطح السحاب، ليست سوى شواهد شاهقة لأضرحة ملوكهم تحت الأرض؟. كانت نقطة التقاء العالم العلوي بالعالم السفلي أجمل نقطة عند المهندسين الفراعنة، و كانوا يسمونها “نفر” و يرسمونها قلبا في مخططاتهم. كانت كالصفر، الأرقام فوقها تضيف على الأرض، و الأرقام ما دونها تسلب من الأرض!

لا أطيق تدخل الرواة في شرحهم للتاريخ، بدلا من أن يسردوا الوقائع و يطلقوا الأوصاف كما هي، يؤلفون الحكايا لكي نصدق ما يقولون. قل لنا أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز كان أمينا و كريما، و لكن لا تخترع حكاية عن نثر القمح فوق الجبال للطيور. كنت أرى أن قصة امتلاء صوامع الغلال في عهده حتى فاضت و لم تجد من يأخذها سوى الطيور التي تسلبها إلى أعشاشها، كذبة. أما و قد رأيت بائع النفط في تكساس يعطيك البرميل و معه ٤٠ دولارا حتى لا يغرق به، فلم أعد أرى راوي القصة كاذبا. 

قيل لنا أن ما حصل سيدخل كتاب التاريخ، و أن قارئ الخبر سيصبح كلماتاً في الكتاب. لم نعد بحاجة إلى أعواد حمراء و سوداء، أو رؤية فيضان الماء عند السباحة في مغطس، أو استعذاب الصفر و ما اقترب منه صعودا و هبوطا، لفهم الرسم البياني لتسعيرة النفط و هي تهوي بالأرقام السالبة، فنحن نتكئ على٤ آلاف سنة من المعرفة!

طارق الجارد، الرياض، ٢٢ أبريل ٢٠٢٠م


هوامش:

الأعواد الصينية لتمثيل الأرقام السالبة

منحوتة ل”يوريكا” أرخميدس

نفر، أو جميل بالهيروغليفية، الرمز عبارة عن قلب معلق بالرغامى

في العشرين من أبريل ٢٠٢٠ م ، أيام وباء الكورونا، فاض النفط الأمريكي حتى لم يجد من يشتريه، و عرض الباعة أن يدفعوا لمن يأخذ البرميل -و يخلصهم من تخزينه- ٤٠ دولارا

الطاعون القمري

  

سأفشي لكم بسر أخفيته طويلا: أكره التغزل بالقمر، لم يرق لي توله عشاق العرب به قط، و لم أتذوق مناجاة شعرائهم له. ارتبط البدر في طفولتي بالجزر المرعب الذي كنت أراه في البحر الأحمر شمالا. كان البحر ينكمش ويضحل فيكشف عن شعبانه المرجانية، مثل ساحرة شمطاء ترفع فستانها عن عراقيبها القبيحة. و ضوء القمر يتكسر على غابة من الشعب المرجانية فتتمثل لي كأشباح. يتركني أبي عند النار أغذيها بالحطب و أرعى جمرها، حتى يأتي بالسمك. بينما أشاهد أبي و صاحبه بمشعل و رمح يخوضون البحر مشيا في غابة المرجان، و يبتعدون كقبس من نجم يتناهى في الصغر، و أخشى أن ينطفئ. خلفي تطل جبال السروات التي كلما صعدت بنظري إلى أعلاها، خيل لي أنها تميل علي و توشك أن تدفنني في قبر من بحر، و تتمدد شاهدا عليه. و ظللت في غربة لا أجرؤ على الاعتراف بعلاقة الارتياب بيني و بين القمر، حتى وجدت من يشاطرني هذا الرعب، في الغربة!

الليلة القمراء تثير هواجس الغربيين، يحكون لأطفالهم عن رجال يتحولون إلى ذئاب تنهش البشر كل بدر، و يتهامسون عن فوران في الدماء و زيادة في الحوادث و القتل في تلك الأيام، يفضلون البقاء في البيوت و شرب قنينة من البيرة على الخروج، و يتجنبون التخييم في منتصف الشهر القمري.

هل كانت ناسا تتبع الأساطير؟ و هل كان نيل آرمسترونغ يخشى أن يصبح الرجل/الذئب الذي سيفتك بالبشر؟ من الصعب معرفة ذلك يقينا، فلقد اختاروا تبريرات علمية لريبتهم من القمر التي تشبه ريبتي منه. كانت البشرية متيقنة من غياب حياة ذكية على القمر، إلا أنهم كانوا يخشون من حياة مجهرية، تفتك بالحياة “الذكية” على الأرض. من الوارد جدا أن يوجد على سطح القمر فيروس يستخدم جسد آرمسترونغ مركبة يهاجر بها إلى الأرض. فيغافل جهاز المناعة البشري الساذج، بينما الناس ثملة بتربيت حصان طروادة الذي يخفي بداخله الطاعون القمري!

من الوارد أن سكرة الصعود إلى القمر ستعقبها صحوة الوباء الذي ينزل منه، و أن الوصول إلى القمر آخر ما ستصل له الحضارة البشرية، قبل أن يدمرها طاعون قادم منه. و لذلك كان أول ما قام به آرمسترونغ عندما وصل الأرض، قبل احتضان عائلته و مصافحة الرئيس الأمريكي، أن يعتزل هو وصحبه في محجر صحي-مع مجموعة من الأطباء و الطباخين الذين قرروا المغامرة بأرواحهم- ثلاثة أسابيع!

كان آرمسترونغ موعودا بمصافحة الرئيس نيكسون، و برحلة حول العالم تتضمن: مسيرة كرنفالية على سيارة مكشوفة يقابل بها الناس بالجادة الخامسة بنيويورك، زيارة إلى باريس يصعد فيها برج إيفل، رحلة بقارب في قنوات أمستردام، و لقاء مع البابا بالفاتيكان. 

سيمر عيد ميلاد آرمسترونغ التاسع و الثلاثين و هو في المحجر، و هذا شيء حزين، لكنني منشغل بالإغواء الذي كابده آرمسترونغ. فقبل أن يصافح الرئيس، و يقبل يد البابا، و يجدف بقارب أمستردام، و يستند بيده على درابزون سلم برج إيفل، قبل أن تلامسه أيادي الرجال و تقبله أفواه النساء بنيويورك، كان عليه أن يعتزل أسابيعا ثلاثة، مهجوسا بفكرة أنه قد يفنى بطاعون قمري دون أن يحدث ذلك كله. إن إغواء الخروج الذي مر به عظيم. ولا أظن أن إغواء الخروج الذي يراودني في زمن الوباء يضاهيه، مهما كان منظر القمر من نافذة معتزلي مغويا. فأنا كما قلت، أرتاب من القمر!

طارق الجارد، الرياض ، ١٨ أبريل ٢٠١٨

آرمسترونغ يحادث عائلته من المحجر الصحي

أصوات حدائق نيويورك

تحب هيلين صوت أوراق القيقب و هي تتفتت تحت خطواتها، حينما تهرول -خريفا- في سنترال بارك. أما سارة، فلا متعة تفوق مشاهدة ابنها جوزيف و هو يغرف الرمل بالمجرفة البلاستيكية و الدلو في باحة الأراجيح ببروكلين. لكن الخشخشة التي سمعتها هيلين في خطوتها الأخيرة مختلفة، أقوى من تفتت الأوراق، و أخف من انكسار جذور الشجر المتمردة على الأرض. أما حثيث الرمل في دلو جوزيف، فلقد كان مشوشا بقرقعة من قعره، و تخشى سارة أن تكون إحدى كرات البلية التي له عادة وضعها بفمه. ستعود هيلين لتستكشف خطوتها الأخيرة، و ستجد أنها داست على زند أحدهم. أما سارة فستجد أن ابنها قد سكب عظيمات رسغ أحدهم في الدلو.

ستفتح مدينة نيويورك تحقيقين منفصلين في الهيكلين البشريين، ثم ستغلقهما بدون خاتمة، لانقطاع خيوط التحقيق إلى العدم. فخيوط التحقيق ابتلعها ثقب أسود في الذاكرة الجمعية للمدينة. ستنسى المدينة أنها قبل عشر سنوات، قد اختارت حدائقها مدفنا مؤقتا للموتى أيام الوباء. كل عشر جثث في مدفن جماعي واحد، مع وعد بمدفن خاص بعد انتهاء الأزمة. وتم ترك مهمة تعداد الجثث للحانوتية و حفاري القبور الذين عملوا لأكثر من أربع عشرة ساعة متواصلة كل يوم.

لقد صمتت الجثث التي سقطت سهوا أثناء العد طويلا، و منعها الخجل من أن تكدر على الناجين محاولاتهم في استعادة الحياة. أما وقد عادت الناس للهرولة في الحدائق، و الأطفال للعب حول الأراجيح، فلقد آن لها أن تمد أياديها من قبورها المؤقتة للمطالبة بالوعد المنسي!

طارق الجارد، الرياض، ١٢ أبريل ٢٠٢٠

لاس فيغاس تلعب الحجلة


كنت ألعب الحجلة صغيرا، و أخفي عن الصبيان تلك اللعبة الأنثوية. نسيت الآن إن كنت أحب الحجلة أم أحب البنات، الأغلب أنها تناسب طبيعتي الوسواسية. الحجر حينما يقع في خانة، تصبح غير طاهرة، لا يصح أن تقع عليها الخطوة. سمعت أن لاس فيغاس تلعب الحجلة، لكنني حينما زرتها لم أر سوى خطوات آلات القمار، و أحجار النرد، و كرات الحظ حينما تقع في خانات الروليت. اليوم رأيت لاس فيغاس تلعب الحجلة. انقطع زوار المدينة من المقامرين الباذخين، صارت أرواحهم أهدافا للعبة روليت روسية قاتلة، رصاصها الفيروس. و لم تعد قلوبهم تتحمل أية مقامرة أخرى. لم يعد أحد يريد أن يصافح ذراع آلة القمار، و لم يعد أحد يطلب من حسناء أن تنفخ في النرد من أجل الحظ. خلت غرف فنادق المدينة الفاخرة من السياح، و لكنها لم تتسع للمشردين. لم أر المشردين لما زرتها، كانت أحذية لاس فيغاس الإيطالية الفاخرة تخفيهم تحت كعوبها. الآن، كل ذي بيت معزول في بيته. أما المشردين، فلقد عزلتهم المدينة في المواقف المكشوفة الخاوية من السياح. و لتحقق التباعد الاجتماعي المطلوب لمنع انتشار الوباء بينهم، رسمت لكل مشرد خانة بالطبشور لينام فيها و يعتزل. و صارت لاس فيغاس تلعب الحجلة فوقهم. كل مشرد حجر في خانة، و كل خانة فيها مشرد موبوءة، لا تريد المدينة أن تقع خطوتها عليها!

طارق الجارد، الرياض، ٣ أبريل ٢٠١٨

ما لم يقله أوليفر ساكس عن سنة الرحمة

أول ضحايا الحرب: الحقيقة. ثم الأخلاق، ثم تتوالى الضحايا البشرية بعد ذلك. لكي يقتل البشر بعضهم -بغير وجه حق- يحتاجون إلى كذبة ترفعهم فوق أسوار الفطرة، فإن أوغلوا في الدم البريء، انهد ذاك السد الأخلاقي الذي يمنعهم. قيل لهم: “إنها الحرب التي ستنهي كل الحروب”، إلا أن المشاة الانجليز سرعان ما غنوا ” نحن هنا، لأننا هنا، لأننا هنا…” لكي ينسوا عبثية الحرب و هم ينشرون الدمار في طريقهم عبر أوروبا.

الثمن الذي دفعته إسبانيا لحيادها في الحرب العالمية الأولى، أن تلتصق بها تهمة : “الإنفلونزا الإسبانية”. و لأن القوى المتحاربة قد قتلت الحقيقة في أول رصاصة قبل أن تتخندق في مواقعها، لم تكن تقدر على قول الحقيقة بعد ذلك. كان من الأسهل أن تنسب ضحاياها و أبطالها الفدائيين إلى وحشية الخصوم، ليزيد غل و حنق خندقها و يستبسل شعبها في القتال، على أن تنسبه إلى ميكروب حقير كالانفلونزا. و بقت إسبانيا الوحيدة التي لا تمانع نشر أخبار انتشار الفيروس بين شعبها، حتى اكتسب اسمها.

و لعلها رحمة أن أنزل الله الانفلونزا لتحسم الحرب قبل أن يفتك البشر ببعضهم حتى الفناء. فيشلّ الجنود عن قتال الجنود، قبل أن ينصرع آخر جندي برصاصة الجندي الأخير، و الذي سيموت بدوره من رصاصة تنطلق -عبثا- من تشنج سبابة الجندي الصريع على الزناد!

كيف تقنع الآخرين بالانتقال من مومياء لا تملك من الحركة إلا التنفس، إلى رجل يجيد الجري و الرقص؟ بالأحرى كيف تقنع الآخرين بالحقيقة؟! لم يكن هاجس “روبيرتو دي نيرو” أن يجيد الأداء الحركي الذي يتطلبه أداء الفيلم، بل أن يصدق الناس الأسطورة التي يحكيها أوليفر ساكس. كان ينصت بشغف إلى حكاية “صيف اليقظات” عام ١٩٦٩م.

دارت الإنفلونزا الإسبانية على ثلاثة أرباع أهل الأرض، و فتكت بخُمسهم. وكان بعض من نجا منها موعود بخمول و تخشب موميائي بعد سنوات من نجاتهم، و بعض أولئك موعودون بلقاء مع الطبيب أوليفر ساكس بعد أربعين عاما في مصح للعاجزين و العجزة بنيويورك، و مع تجريبه دواء الدوبامين الحائز توّا على جائزة نوبل. إن أولئك الذين كانوا كأشجار الصنوبر، يطولون فينبتون ثم ينفضون الأوراق، و يشيخون دون وعي أو حركة بمرور الفصول، قد استفاقوا ذات صيف، و قرروا المشي و الرقص، و تذوق طعم الحياة الحلو.

يقول جدي، و هو يتحسس ندبات الجدري النادرة في وجهه، التي جعلته جميلا و عظيما كمحارب نجا من معركة عصيبة: لم يكن الجدري، الجدري لا يمر على القرية مرتين في جيل واحد!. كانت حمى شديدة تطبخ الناس طبخ المرجل، حتى يفرغ كل منهم ما في معاليقه من ماء و هواء، و سبقت مولدي بخمس سنين أو أكثر. كنت أظن أن جدي سيمد يده إلى صحن السكري بيننا الذي كنت آكل منه، لكنه شد طرف شماغي مشمئزا من نعومته: أنت أطول من أبيك، و أبوك أطول من جدك، و لم تخش يوما أن تمد يدك فلا تجد تمرة. و قبل أن يصنع الانجليز أشمغتنا الصغيرة، كانت الناس لا تأكل و لا تطول، و عمامة الرجل تتسع له إذا انفردت. الكل قبل الوباء يسير و كفنه فوق رأسه، و عندما دارت الحمى على نجد لم تترك أحدا، و ما تبقى إلا أن يحفر المريض قبر الميت!. جدي يقول أيضا، أنه كان يحفظ بيتين من الشعر في هجاء نجد، مقابل كل بيت يعلمني إياه في مدحها. لكنه حينما رأى أبناءه يتطعمون عن الجدري، نسي ربعها من ذاكرته. و حينما رأى الماء يسيل من صنبور الماء في بيته أول مرة، أُنسي ربعا آخر. ثم طارت كلها من ذاكرته، حينما صلى العشاء في بيته قبل ركوب الطائرة، فأدرك وقت صلاة الفجر في الشام، ليتلو في أول ركعة {سبحان الذي أسرى بعبده…}.

دارت الإنفلونزا الإسبانية على ثلاثة أرباع أهل الأرض، و فتكت بخمسهم بنهاية سنة ١٩١٩م، التي توافق سنة الرحمة (١٣٣٧هجرية). أما اسم “جزيرة العرب”، فليست سوى حيلة عربية للتمويه على الغزاة: أن هذه الصحراء مسوّرة من كل الجهات بالبحر، و لمّا تنتهي بك سبل البحر لن تجد ماءا في شواطئها، ولا تفكر أن في قلبها سوى المزيد من الرمال و العزلة. أما العرب الذين يعرفون دروبها و وصائلها بأقاصي الأرض، فيدركون أنهم يستطيعون الوصول منها إلى إسبانيا!. قد تنطلي تلك الحيلة على الغزاة، و لكنها لن تنطلي على فيروس الانفلونزا الإسبانية. لن ينقل العثمانيون الحديد وحده، لتعبيد قطار الحجاز، بل سينقلون فوقه الفيروس. أو لنقل، أن أصابع الديناميت التي كان يمررها الإنجليز لعرب ملثمين لتدمير سكة الحديد، لا يمكن غسلها كما نغسل أصابعنا كل وضوء. يمكننا أيضا بذات المعقولية، تأمل رحلة “شوال السكر” على ذلول رجل من العقيلات، و الأيادي التي ستتناوب على حمله من سوق الجمال بالقدس إلى الرس. لنكتشف أن الانفلونزا الإسبانية لن تتوانى عن دخول نجد و تقاويمها و سواليفها.

رأى أوليفر ساكس مرضاه، بعد أن دبت فيهم الحياة صيفا كاملا، يعودون إلى السبات مرة أخرى، و هذه المرة سبات نهائي. رأى مفعول الدواء ينتهي و ينتهي معه الأمل، و رأى أن يغض الطرف عن كل تلك الحياة و الفصول المليئة بالسبات، و لا يعنونها إلا “بصيف اليقظات”. و أبى أهل نجد إلا أن يختاروا اسما لطيفا، فيه الكثير من التصالح مع القدر، و حسن الظن بالله، و اختاروا لكل ذاك البؤس و الموت الذي هبط فارتفع سريعا، عنوان “سنة الرحمة”. لأوليفر ساكس لحية كثة لا تختلف عن لحى شيبان نجد، و له نظرة لهشاشة الحياة و خفة مباهجها، لا تختلف عن نظرتهم. و أجزم أنه لو التقى أحدهم، و جلس معه مجلسي من جدي، لتخلى عن نسبة السبات إلى الانفلونزا الإسبانية، و نسبه إلى سنة الرحمة.

طارق الجارد، الرياض، ٣١ مارس ٢٠٢٠، سنة الرحمة الثانية.

———————————

هوامش:

  • أنت بحاجة للكثير من الوقار لسماع أهزوجة: “نحن هنا، لأننا هنا، لأننا هنا..” أدناه. ليس الوقار الذي يستدعيه الإنصات لرجل يكلمك من قبل قرن، بل الوقار الذي يتطلبه الإنصات لجندي في حرب متيقن من عبثيتها. فالجندي البريطاني إدوارد دواير، صاحب التسجيل، سيموت بعد عام في معركة على أرض فرنسا.
  • فيلم اليقظات: روبيرت دي نيرو، و روبن ويليامز مؤديا دور أوليفر ساكس.
  • قد يكون صعبا على البعض مشاهدة الوثائقي أدناه، و لكن بعض القصص غرائبية -كسنة الرحمة- ينبغي أن تعايش أو ترى لتُصدق، فلكم الخيار. هنا يتحدث أوليفر ساكس، و ترى مرضاه و تقلباتهم بين الحياة و السبات.

محاولة جادة لفهم سارة “قصة قصيرة”

محاولة جادة لفهم سارة

لا يمكن فهم سارة بما تحبه، لكن يمكن فهمها بما لا تحبه. ومن الأفضل تعريف سارة بما لا تفعله، بدلا مما تفعله. لا تحب سارة الأحاديث الخفيفة أمام غلاية الشاي، وحتما لا تحب الأحاديث العميقة أمام برادة الماء. لا تحب النكات السامجة في انتظار المصعد، وقطعا لا تحب النكات غير السامجة داخله. إن أولئك الذين يضعون صور أطفالهم على مكاتبهم لا يستهوونها، ولا تجد فيمن يضعون صور قططهم شيئا مثيرا. ليس لديها طقس مفضل، وبالتالي من السهل افتراض أنه لا يضيرها الطقس، ويضايقها الحديث عنه. لا تقضي ساعة الغداء في الحديقة المغلقة بالدور العلوي من البرج، ولا تنزل إلى ركن المطاعم في المول أسفله، ولم يشاهدها أحد تأكل، ليعرف ما هي وجبتها المفضلة. وباستثناء مشبك أسود للشعر، تلف به شعرها عند القدوم إلى المكتب وعند الخروج منه، فإنه من المستحيل ملاحظة أي شكل من أشكال الزينة والتزين تضعها سارة. يمكن بكل بساطة، إذاً، استنباط أن سارة لا ترتدي كعبا عاليا، ولا تضع أحمر شفاه، وأن عينيها الكحيلتين والحادتين، خاليتان من الكحل و الماسكرا. يمكن أيضا استنباط، أنها لم تكسر أظافرها قط، ولم تتلوث ملابسها بطلاء أظافر وضعته على عجل أثناء خروجها من المنزل. أن شعرها الأسود الطويل الذي تحرره من المشبك كلما دخلت المكتب، ليس خياراً بقدر ما هو عادة رتيبة لا تذكر مصدرها. سارة لا تبدأ الناس بالحديث، وتكره أولئك الذين يعرفون بأنفسهم دون داع. سارة أيضا، لا تعلن قدومها بالسلام على الآخرين، أو حتى بتبادل التحايا الرتيبة كل صباح، أو بالحديث عن نتيجة مباراة الكلاسيكو أمس أو ما قالته أحلام في حفلة الليلة الماضية. لو انفجر بركان في المدينة الليلة السابقة، واضطرت سارة أن تتجنب الطرق المغلقة بحمم اللافا في طريقها إلى العمل، لن تجد في ذلك شيئا يستدعي الحديث صباحاً. إن مكتبها الرتيب، الخالي من أية لمسة شخصية، عدا مشبك الشعر، يبدو كمكتب شاغر بانتظار موظف أو موظفة تشغله، إذا لم تكن موجودة فيه. إن القواطع المكتبية المجتزأة، والتي لا تمنع أحدا من الحديث والتعارف مع الموظفين والموظفات المجاورين، كانت كافية -بالنسبة لسارة- لتخلق عازلا مصمتا حولها، مثل قبة حديدية تمنع سقوط صواريخ الخصوم.
يمكن القول إن تردد سارة على مكتبها مثل لاعب خفة أو لص سلس، سيمر دون أن ينتبه لها أحد للأبد، لولا أنها أصبحت “موظف الشهر” بعد مضي أسبوع واحد فقط من العمل.




“…فعند النظر إلى هذه القطعة من اليابسة يتداعى إيحاء بأنها دخيلة. فالجو الحار والخانق ذو الرائحة الحمضية شيء غير مألوف على الحواس. و لولا مستنقع الماء، لأمكن افتراض أن هذه القطعة الغير مرغوبة من العقار تنتمي للمريخ. لكنها فعلا تنتمي للأرض. للماء قدرة عجيبة على تحويل أية أرض، مهما كانت فقيرة و وحشية، إلى خصبة. أهم شيء: وجود حياة قابلة للتكيف، وإيجاد حيز و دور لها. ثمة طحالب تغطي صفحة الماء، و لوجودها ضرورة تكافلية سيأتي ذكرها فيما بعد. اليابسة عالية الحموضة، و حموضتها تعيق تجمع العناصر الغذائية الضرورية لظهور معظم النباتات. إلا أن وجود المستنقع المائي يمنع الحموضة من الوصول إلى درجة عالية، و تسمح للنبتة التي نتحدث عنها بإيجاد حيز لها في هذ المكان. إن سوء التغذية المزمن، يمنع النبتة من الاستطالة و تمدد الأوراق. عادة ما يكون هذا عائقا في الحصول على ضوء الشمس أمام معظم النباتات القصيرة. إلا أن هذه الأرض الطاردة، تمنع ظهور الأشجار الكبيرة و الوارفة التي تحجب ضوء الشمس. و هو ما يوفر لها الاستئثار بالشمس، و يعرض أوراقها الرهيفة للاحتراق. لكن الجو الرطب والخانق يساعد في ترطيبها، ويقلل فرص احتراقها في هذه الأراضي المشمسة طوال العام. إن فهم هذه العوامل المعقدة و المتكاملة مع بعضها، كأنها قطع تجد مكانها في لوحة لغز تركيبية، ضروري لمعرفة صعوبة المهمة التي أنتم بصددها. و يوضح كيف أن هذه النبتة لم تجد لها مكانا طبيعيا خارج القارتين الأمريكيتين…”




إن كفاءة سارة المدهشة في عملها مثيرة للحسد عند زملائها و زميلاتها. ثمة روتين تتبعه يجعلها فعالة بطريقة مدهشة، و ثمة صرامة غير انفعالية عجيبة في أسلوبها.
بمجرد أن تدلف سارة مكتبها، و تستمتع بعزلتها الوهمية التي تخلقها القواطع. ترفع طرحتها و تفك مشبك الشعر وتضعهما على المكتب، ليتدلى شعرها الأسود الطويل وراء ظهر كرسيها.
من شبه المؤكد أن سارة ليست ذكاءا اصطناعيا، إنما مراقبة تصرفاتها توحي بذلك. تفتح قائمة الإكسل، و تبحث عن رقم الاسم التالي، و تتصل على جواله. ثم بسلام لا معنى له، وتعريف بنفسها لا قيمة له، تبدأ بمطالبة الشخص بمديونيته تجاه البنك. تقوم بتذكيره بطريقة باردة وجافة بقيمة دينه، متجاهلة نبرة الأرق في صوته التي تؤكد لها أنه لم ينسها قط. سارة تصمت بطريقة مقلقة، حينما يأتي دورهم في الحديث. لصمتها ضجيج يصم آذانهم، و لإنصاتها رعب يشبه إنصات الجماهير و هي تنتظر سقوط مقصلة على رقبة رجل لا يستطيع أن يعرف متى ستسقط، إلا من إنصاتهم. صمتها يجعل المديونين في حالة من التداعي واللهاث وهم يقدمون أعذارهم و يشرحون ظروفهم، و سعيهم لتسديدها. إنها تقضي لحظات الصمت تلك في العبث بمشبك شعرها بين أصابعها. تضغطه فتنفتح قبضة المشبك، ثم ترخيه فيحاول النابض أن يغلقه، فتعود تضغطه قبل أن ينغلق. تستمتع بمشاهدة أنيابه المدببة وهي توشك أن تتداخل بين بعضها، فلا تتداخل. حينما يظن أحدهم أن مرافعته أمام ضمير سارة قد لامست شيئا من مشاعرها، وأنه يوشك أن يفلت من مطالباتها، تتحدث سارة بعد لحظة من الصمت المحسوب، لتسأله: كيف أمور أبنائه في المدرسة؟ أو كيف حال أمه؟. “المدرسة الأهلية التي تدرس بها ابنتك لن تساعد في رفع ثقتها بنفسها وتحقيق طموحها، لو زميلاتها عرفن أن أباها مديون، وأنها ليست سوى متطفلة على طبقة اجتماعية لا تنتمي لها”. “إن البيت الذي تعيش به مع أمك أكبر من حاجتكم الآن، أعلم أن قلب أمك قد ينكسر لترك منزل تبقّى فيه شيء من رائحة أبيك، لكن ماذا تتوقع أن يحصل لقلب أمك لو دخل ابنها السجن بعد أن مات زوجها”. ستترك البنت المدرسة وصديقاتها هناك، و تترك معها ثقتها و طموحاتها للأبد. و سينجو المديون من السجن بعد الانتقال إلى بيت أصغر، و تموت أمه كمداً بعدها بأشهر. و لكن سارة لا تبالي، إنها تعلم أن التخلي عن المال ليس الثمن الحقيقي لسداد الديون، بل التخلي عن الآمال و الأرحام. إنها تنهي مكالماتها الناجحة دائما بنفس الطريقة: “أتمنى أن تكون هذه آخر مرة أضطر فيها لمكالمتك”. ثم تترك قبضة مشبك الشعر التي تتوق للانغلاق، تنغلق.




“… غرابة منظرها توحي بالبشاعة لأول مرة، لكن ثمة ما هو جذاب فيها، خصوصا عند الاقتراب. إن ذاك اللون الزهري المائل لاحمرار خضاب الشفتين، يبدو ناشزا بطريقة مغوية بين لونها الأخضر القبيح. بيد أن تينك البتلتين الحمراوتين ليس هدفهما توفير الرحيق ونقل اللقاح، لأن هذه النبتة تتكاثر بالتناسخ والانشطار. إن خلوها من الورود والبذور ضروري لفهم طرائق انتقالها وسبب عزلتها، إن افتقارها لكثير من الخصائص التي تبدو طبيعية عند معظم النباتات يجعلها محدودة بهذا الشكل. في المقابل، يمكنها من اكتساب خصائص نادرة، كالاستجابة للمحيط و الحركة. هنا ينبغي إعطاؤكم بعض السياق عن الحركة في عالم النباتات، لتفهموا تميز هذه النبتة. أشهر النباتات في الحركة: دوّار الشمس. عند الفجر، ينمو ساق وردة دوار الشمس في الجهة البعيدة عن الشمس، بتسارع أعلى من الجهة المقابلة لها، فلا يأتي الشروق حتى ينحني رأسها المثقل باللقاح، باتجاه الشمس. و عند الظهيرة، تنمو الجهة الشرقية من الساق بسرعة أكبر من الجهة الغربية، فيتثنّى خصر الوردة، و يثّاقل رأسها باتجاه الغرب، و كأنه طوال اليوم كان يتبع الشمس بافتتان. لوردة التوليب نمط مشابه و بطيء في الحركة، فعندما يحين الأصيل، ينمو أصل البتلات بسرعة أكبر من أطرافها، فلا يغيب الشفق حتى تجد الوردة نفسها مرغمة على الانغلاق أثناء الليل. و قبيل الفجر، تنمو أطراف البتلات بسرعة أكبر من أصولها، فتدفع البتلات نفسها إلى الخارج حتى تصل من التمغّط حدا، تنفتح فيه كنابض المظلة الشمسية. النمو الغير متناظر، هي الطريقة الأكثر شيوعا لتفسير الحركة عند النباتات. بالمقابل، هناك نباتات نادرة تتحرك بطريقة أسرع. “الميموزا العفيفة”، على سبيل المثال، تنكمش وريقاتها و تنحني بسرعة خجولة نحو الأرض، حينما تحط عليها جرادة. ولا يبقى للجرادة سوى الانزلاق دون أن تنتهك من وريقاتها شيئا. إن نمط الحركة السريع هذا يعتمد على انعكاس عصبي مشابه للانعكاسات العصبية عند البشر. و الحركة عند النبتة التي نتحدث عنها كذلك…”




تجري الأسرار في الردهات، و تتسرب عبر فتحات التهوية، و تركب موجات الصوت الدنيا التي تبعثها ألسنة الموظفين و الموظفات في البنك، بخفية تثير غبطة فيروس الانفلونزا. و ما إن يعرف أحدهم بالسر، يكتشف الجميع أنهم مصابون. لكن لسارة و أسرارها مناعة عالية. لا يمكن الوقوع على سارة في لحظة لا تكون فيه غير مشغولة، و من الصعب أن تتيح لأحدهم أو إحداهن سؤالا شخصيا. أما الإدارة، فكانت تتكتم على السيرة الذاتية لهذه الموظفة الثمينة، ببراعة تكتمها على حسابات كبار الشخصيات.
يحاول الجميع أن يعرف دوافع سارة، و مصدر فعاليتها. و خصوصا نورة التي ظلت تتأمل سارة عن بعد ما يقرب من الشهر، دون فرصة للاقتراب منها و التعرف عليها.
و لذلك كان ظهور سارة في الحديقة المغلقة بأعلى البرج وقت الغداء، منظرا مثيرا للدهشة. لم تتحدث سارة مع أحد، وباستثناء برطمان المربى الكبير، الفارغ، و النظيف الذي تحمله سارة، لم يكن ما يوحي أنها أكلت أو تأكل شيئا. كانت تقترب من الزهور و الورود بوداعة من يمد عنقه ليشتم رائحتها و يتأملها. ثم بحركة خاطفة، حبست فراشة داخل البرطمان، و أحكمت على فوهته قطعة من قماش نفاذ.
لم تعرف نورة في حياتها منظرا أكثر فتنة من البرطمان على مكتب سارة، و بداخله فراشة ملونة و جميلة تطوف بموازاة جداره الزجاجي، و أحيانا تصعد للقماش النفاذ كأنما تتوق إلى رائحة السماء.
– “هل تحبين الفراشات؟” قالت نورة.
ولأول مرة منذ أن جاءت سارة إلى البنك، رأى أحدهم أنها قادرة على الابتسام.




“… إنها مهددة بالانقراض في مواطنها الأصلية بالقارتين الأمريكيتين، لكن شيوع استزراعها عند المهووسين بالنباتات الغريبة، يجعل فرص انقراضها من وجه الكرة الأرضية أمرا بعيد الاحتمال. يمكن العثور على فسيلة من هذه النبتة في الحواضن النباتية التجارية الكبيرة في بلدكم. وببعض من المخالصات الجمركية، و بالاتفاق مع النقل البريدي المتخصص، يمكنكم شراء فسيلتكم عبر الانترنت من الحواضن ذات التوزيع العالمي. الحصول على النبتة ليس صعبا، إنما محاولة تدجينها و الحفاظ عليها هو الصعب. من المهم أن تكون تربة الآجار رطبة طوال الوقت و بدرجة حموضة أعلى من المعتاد، لكن من المهم أيضا ألا تكون غزيرة الماء حتى لا تنهار جذور النبتة أو تفقد التربة حموضتها، و هنا يأتي دور الطحالب. لا بد أن تُخلط مع التربة لكي تحافظ على تركيبة سبخية متماسكة، و تقوم بدور تصريفي. من المهم أيضا، الابتعاد عن السماد، فلا بد أن تظل التربة شحيحة العناصر الغذائية. إذا كانت بيئتكم الخارجية لا تسمح باستزراع النبتة، فلا بد من وضع جهاز رطوبة صناعي في الغرفة، و تعريض النبتة لشمس صناعية معظم الوقت، فضوء الشمس يظل جزءا مهما في تمديد النبتة بجزء من غذائها و طاقتها. أما توفير الجزء الآخر من تغذيتها، فتلك مهمة أقل مشقة…”


فصل من كتاب: (فنون استزراع النباتات النادرة و الوحشية)




فكّرت نورة، وهي تشعر بقطعة البراوني تتفتت بين أسنانها ثم تذوب في فمها مع مزيج القهوة المرة المطعمة بخيوط الزعفران، أن ما ينقص سارة من الكلام تعوضه بحسن ضيافتها. و فيما كانت جلبة سارة في المطبخ تؤذن بمعجنات صغيرة توشك أن تنزل على طاولة الصالة مع كؤوس الشاي، ظلت تتأمل برطمان الفراشة التي توقفت عن التحليق و لم تتوقف عن الحبي، على ذات الطاولة. لم يثر فضولها كثيرا أن سارة كانت تعيش وحيدة في هذه الشقة، فوحدة سارة أقل غرابة من حسن ضيافتها. إنما كان يثير فضولها الضباب الرطب الذي يزحف من تحت باب الغرفة المجاورة.


– “ليست هذه الفراشة لي” قالت سارة بينما تشرب الشاي، بعد فترة صمت طويلة. ثم اقترحت على نورة أن تريها أعز ممتلكاتها في الغرفة المجاورة.


كانت الغرفة خالية من الأثاث، ما عدا مصباح ضوء بنفسجي يطل على نبتة قزمة في آجار، وجهاز صانع للرطوبة، إن كان يمكن تسمية ذلك بالأثاث. لأول وهلة تبدو قمة النبتة مثل الوردة، إلا أن نورة لما اقتربت تتأملها لاحظت أنها مجرد بتلتان حمراوتا اللون، دبقتان و مفتوحتان مثل شفتين تتهيآن لقبلة حميمية. و على حافتي البتلتين أهداب طويلة و مدببة.
-” لقد التقطت الفراشة لإطعام هذه النبتة، فهي من آكلات اللحوم” قالتها سارة وهي تخرج الفراشة من البرطمان بملقاط و تومئ لنورة أن تطعمها.

لاحظت نورة لماذا لم تعد الفراشة تحلق، من الواضح أن سارة قد نتفت جناحيها.


وضعت نورة الفراشة بالملقاط وسط دفتي البتلتين، و اقتربت لتتأمل الفراشة تحبو داخل العصارة الدبقة، بينما كانت أهداب البتلتين ترتجفان مثل عين أصابها القذى. وبغمضة عين، كانت النبتة قد أطبقت بتلتيها على الفراشة، وكان كيسٌ من البلاستيك الشفاف قد أطبق على رأس نورة.
وعبر البلاستيك الشفاف و الرطب بلعابها و أنفاسها المخنوقة، رأت نورة كيف كانت الفراشة تنازع داخل النبتة، و تذكرت مشبك شعر سارة الأسود حينما ينغلق، قبل أن يتحول عالمها كله إلى سواد.




طارق الجارد، فبراير ٢٠٢٠م، الرياض




إنشاء موقع مجاني على وردبرس.كوم
الشروع في