مليون وجه في ربع ساعة

أحب التفرس في الوجوه، والرهان على النفوس. أمر تعلمته من أبي.

زارني أبي في الغربة، و أخذته لمطعم هندي. قدم لنا الجرسون قائمة الطعام. ثم أتى خادم يسكب لنا الماء. كان أبي يقرأ القائمة عندما دخلت يدٌ مجاله البصري، لتسكب الماء. التفت أبي إلى وجه الخادم برتابة، ثم نظر إلى قائمة الطعام، قبل أن ترتد عيناه بسرعة إلى وجه الخادم، الذي أنهى سكب الماء و غادرنا تاركا عيني أبي معلقة به!

بعدما أخذ الجرسون طلبنا. شرب أبي كأس الماء سريعا، كي يعود الخادم لملئ الكأس:

– هل أنت من التبت؟

لم يصدق الخادم كيف عرف أبي أن أمه من التبت.

كان أشهى ما في ذاك العشاء لوالدي، قصة حياة الخادم: منذ أن تزوجت أمه التبتية رجلا من الهند، إلى وصوله للعمل في كندا.

حينما سألت والدي كيف خمن أن رهانه سيصيب من أول سؤال. أخبرني أن الخادم هو الوحيد الذي يحمل سحنة صينية في مطعم كل عماله هنود. فحتما سيأتي من بلاد تقع في الحد الفاصل بين الصين و الهند، كالتبت.

أحب التفرس في الوجوه، و الرهان على النفوس. و تدهشني الفسيفساء البشرية التي خلقت من حمأ و طين.

رغم أن زميلنا كان من عائلة صينية لجأت إلى كندا لجوءا سياسيا منذ أن كان في الابتدائية، إلا أنه كان كثير الحديث عن صينيته باعتزاز. و عن الأشياء التي يذكرها من طفولته هناك، و العادات الصينية التي لا زال أبوه يحضه على التمسك بها. كانت الفترة التدريبية التي قضيناها سوية، عبارة عن هيئة أمم متحدة صغيرة: هو من الصين، أنا من السعودية، أحدهم كندي ذو أصول أيرلندية، إحداهن من إيطاليا، واحدة كولومبية، و أخرى من مقاطعة “أندلسية” بإسبانيا (ومتزوجة من أردني بالمناسبة). مرة، جلب أحدهم طبق أجبان متنوعة و مكسرات و فواكه مجففة للجميع. و كان زميلنا يلتهم بشراهة أصناف الجبن الموزعة على الطبق. كنت أرمقه بابتسامة خفيفة:

– يبدو أنك لست صينيا بالدرجة التي تزعم؟

 ضحك بخجل من شراهته و هو يتلعثم بقطع الجبن:

– بالفعل! أخوالي من المغول.

– هذا يفسر الكثير.

التفتت لي زميلتنا الإيطالية مندهشة و على وجهها علامات الاستفهام.
قلت لها أن النظام الغذائي الصيني خالي من مشتقات الحليب، فغالبية الصينين يتحسسون من اللاكتوز. أما المغول، فمن الأساطير الشعبية المشهورة عنهم أنهم يشربون حليب الخيول، و هم لا يتورعون عن شرب الحليب و مشتقاته. و كان زميلنا الصيني يهز رأسه بإقرار من انكشف سره.

أحب التفرس في الوجوه، و الإنصات لاختلاف الألسن، و الرهان على النفوس.
من متعي في الحياة، الجلوس مغمض العين على مقعد في التايمز سكوير بنيويورك، أو ميدان بيكادللي بلندن، أو  باحة مارين بلاتز بميونيخ، و تمييز اللغات التي أسمعها و لا أفهمها، بهوس مراقبي الطيور الذين يميزون نوع العصفور من تغريده، و إن لم يفهموه. 

أذكر أنني كنت أحدث زميلي بالعربية و نحن ننتظر لنطلب من ستاربكس في مونتريال. حينما طلبنا و دفعت للباريستا عشرين دولارا منتظرا ما تبقى، قال:
– أية لغة تتكلمان؟

قلت له:
– خمن و لك ما تبقى بخشيشا.

و حينما بدأ يفكر. باغته قبل أن يجيب:
– لحظة. لنجعل ذلك مثيرا أكثر. إن أخطأت في تخمينك. سأخمن أنا من لكنتك بالانجليزية، من أي البلدان أنت. فإن أخطأت أنت و أصبت أنا، أخذنا القهوة مجانا. و إن حصل أي سيناريو غير ذلك، فلك البخشيش.
وبعد أن تصافحنا على رهاننا، خمّن تخمينا خاطئا (ما عدت أذكره). ثم قلت له:
– أنت من جامايكا.
وقد كانت له لكنة “بوب مارلية” لا تخطئها إذن تسمع أغاني الريغي!
من فائض القول أنني لم آخذ القهوة مجانا، و لم أحرمه من البخشيش، فنشوة إصابة تخميني و ملامح الدهشة على وجهه، كانتا كافيتين لأتنازل عن الرهان بكل غبطة.

للأصوات سحنة لا تخطئها الآذان حينما تألفها، كما تألف العيون سحنات الوجوه. 

في ضجيج كافيتيريا الجامعة بالرياض، باحثا عن مكان أجلس فيه على طاولاتها الممتدة، كانت تقودني أذناي إلى أحاديث تبدو -لأول وهلة- قراءة لمخطوطة خلدونية. فأجد نفسي بجانب دارسي العربية و الدين من السنغاليين و النيجيريين (أفريقيا الغربية عموما)، و أطرب لأصواتهم الرخيمة و الجهورية و هم يجعلون نهايات الكَلِم تتتراقص كسرا و نصبا و رفعا، كأنها أقدام راقصة باليه لا تمل و لا تسكن عن الحركة!

مرت السنون، و وجدتني أنفض المطر عن مظلتي و أنا أسأل رجل الأمن في ثكنته، إن كنت قد أتيت مبكرا على موعد فتح السفارة السعودية بأوتاوا. كنت قد بدأت ذلك بالسلام، فلا يليق بمن يحرس سفارتنا، مهما كان جنسه و لغته، إلا أن يجيد الرد على السلام. كان يجيد رد السلام بأحسن منه بفصاحة رخيمة و جهورية، أما ما تلا ذلك فكان يجيبني عليه بإنجليزية مكبلة بلكنة فرنسية. فسألته بعد أن بدا لي سلامه مثل سحنة مألوفة:
– هل أنت من مالي؟
و يا لدهشتي و دهشته لما أصاب تخميني الذي رميته كنرد!
ثم قضينا النصف الساعة المتبقية على فتح السفارة في ثكنته نشرب الشاي الذي يعده، و هو يحدثني عن حلمه بزيارة مكة، و أحدثه عن حلمي بزيارة تمبكتو و مساجدها و مكتباتها.

أحب التفرس في الوجوه، و الرهان على النفوس، أمر تعلمته من أبي، و لم يتعلمه بعد أخي الأصغر. فتعداد الوجوه بتعداد حبات الرمل. أولسنا نأتي من الرمل، و للرمل نعود؟! 
من يعاين ذلك لأول مرة، يشعر أحيانا أنه يتوه في أحقاف من الوجوه. رافق أخي والدي برحلة للهند، و تعجب من اقتفاء والدي طريقه بين حشود نيودلهي نحو رجل بعينه، بينما يتسمر أخي تيها بين حشودها. و كيف لا يتوه و هو يرى في ربع ساعة مليون وجه يعبرون أمام وعيه!

أظن أنني أعرف امرأة، كالذي يرى في كل يوم مليون وجه، لا يألف الوجوه. لخمس سنوات كان عملي يتقاطع أحيانا مع السيدة “تي”. كانت طبيبة ذات شعر أسود أجعد، و ملامح أشكنازية يهودية متغضنة كالتي تراها في نيويورك، حتى أنك تظن أنها إذا أوشكت أن تفتح فاها لتكلمك، ستخاطبك بلهجة و عصابية “وودي آلان”، فتتعجب إن لم تفعل!
كنت أرى على وجهها ملامح الحيرة كل مرة أكلمها، و كأنها تحسب في رأسها، موقعي من النسق.
ذات مرة واجهتها: لم تتصرف و كأنها لا تعرفني؟!
قالت أنها ممن يعانون من قصر التعرف على الوجوه. أولئك الذين لا يألفون الوجوه قط، و لا يميزون حتى وجوه أبنائهم إلا من النسق، كأطوالهم و طباعهم. (لا زلت أرتاب في مقولة السيدة تي، لم أكن إلا ناشزا على النسق هناك مثل الأصداف البحرية التي أجدها أحيانا في الجبال النجدية. كما أن فرصة أن تكون السيدة تي مصابة بذاك، أدنى من فرصة تعرفي على وجه مألوف بين مليون وجه في مدينة غريبة. خصوصا إذا أدركنا أن عمل السيدة تي يتطلب التفرس في الوجوه، و قراءة ما إن كانت مقبلة أو مودّعة!).

ليست الوجوه كل الشيء، أحيانا التفرس في النسق أهم. 

رأيت مرة رجلا ملثما و متدثرا بالملابس الواقية يتدلى من حبل لمسح الزجاج الخارجي للمبنى الذي أعمل به.
من عملي أستطيع رؤية ملعب الملك فهد بأشرعته البيضاء المنصوبة، وسط الصحراء وحيدا، كأنه إقحوانة قررت أن تتفتح قبل أن يدخل الربيع. و في منتهى الدهليز الذي أقف به مع زملاء العمل، شخصت عيناي مفتونة بماسح الزجاج متدليا من ارتفاع، بينما كانت إحداهن تشيح بنظرها عنه:

– لا أتخيل أن أعمل بهذا العمل. أنا أخشى المرتفعات.

قلت:
– لذلك أكثر من يعمل بهذه المهنة من النيبال.

توقفت عن النظر لمنتهى الدهليز، ونظرت لها حين انتبهت أنها تطلب تكملة لمقولتي المعلقة:

– لأنها ديار الهمالايا، فاشتهروا بمهنة العمل في المباني العالية حول العالم. لكن بالطبع لا يمكننا التحقق من هوية ماسح الزجاج.

في منتهى الدهليز، رأيت ماسح الزجاج الملثم و المتدثر يتدلى برشاقة فاتنة. رأيته شرنقة معلقة بخيط حرير تهبط نحو الملعب المتفتح كأقحوانة في الخلاء. أما هو، فكي يقاوم رعب المرتفعات وهو يهبط لعمله، يرى الملعب زهرة لوتس في بحيرة بسفح الهمالايا، و ما أن يهبط إليها سيتحرر من عتاده و يصبح فراشة تحلق إلى بلاده. 

بعد ساعة، وفي طريقي إلى مكتبي، و جدت بأحد الممرات الطويلة ماسح الزجاج ماشيا عكسي، يخلع قفازاته فخوذته ثم لثامه، ليكشف عن وجه يليق بأن يكون من أحفاد تينسينغ نورغاي!

وجدت خطواتي تقترب منه، و في صدري سؤال معلق، يتدلى من خيط حريري. 


طارق الجارد، ١٦ يناير ٢٠٢١م، الرياض


تينسينغ نورغاي. أول نيبالي وثق صعوده لقمة إيفريست بالهمالايا.

ملعب الملك فهد.

زهور اللوتس، في بركة نيبالية.

منتهى:

{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}

سورة الحجرات، آية ١٨.

خارج نطاق التغطية

و بعدما صارت هوساً، أدركوا أنها لم تعد مزحة، و أن أخي يعي قبل أن يعني ما يقول. يحدثنا دوما عن رغبته بالسفر إلى خارج المكان، و عن حلمه برحلة إلى اللامكان. الآخرون يروها فكرة سخيفة، و بعد كثير من الجدل، يلوموا أنفسهم على تضييع وقتهم مع رجل يؤمن بحتمية وجود ثغرة في المكان، يمكن النفاذ عبرها. المكان هو غرفة فسيحة، كما ناظرت أخي ذات مرة. غرفة فسيحة بجدران مصمتة، و دون أبواب. الباب الوحيد الذي قد تجده في المكان، سيقودك إلى مكان آخر. و ربما، و بمنطق أكثر معقولية من فكرة اللامكان، سيعيدك إلى المكان ذاته الذي خرجت منه!

كنا كائنات مسطحة, كما أجابني أخي حينها. كائنات مسطحة تعيش على سطح الكرة الأرضية, فقط لأننا ظننا أن الجاذبية هي سقف مصمت, لا يمكن لجرم أثقل من الهواء أن يخترقه. أما الآن، و بعد أن ثقبنا الفضاء بصواريخنا، رأينا كم أن الحدود هشة، و ربما وهمية!

كنت أعلم أنه لن يتخلى عن حلمه، و لم أناظره لكي يتنازل، فأنا أحترم إصراره كثيرا. لكنني أخشى أن يقتله ذاك الهوس، و أخشى أكثر، تحقق هذا الحلم!

و لم نظن أن أخي سيتركنا حتى قرأنا تلك الكلمتين. و جدنا في غرفته بعدما افتقدناه ورقة صغيرة، كتب عليها : (قد أعود).
و مضت أيام و ليال، دون خبر، أو أثر لأخي. إلى أن سمعت صوتا على الهاتف: (ألو!).و لأنني شعرت أن هذا الصوت مألوف جدا، و و ربما عزيز جدا، ضغطت على زر التسجيل في الهاتف.

تسجيل صوتي للمكالمة:

– السلام عليكم

– و عليكم السلام.. أخي!.. أين أنت؟!

– أنا, يا أخي الذي اشتقت له كثيرا, في اللامكان.

– إذا, أنت في مكانٍ اسمه اللامكان!

– لا تتحاذق عليَّ, و اسمعني للآخر, فسيتكشّف لك لاحقا, أن اللغة أضحل من أن تستوعب تجربتي.

 – حسنا, أخبرني, كيف هي الحال في اللامكان؟

– لا تسرك, فالوضع هنا لا يبدو جذابا كما كنت أراه. لعلي كنت أتوقع من ال(هنا) الكثير. كنت أتوقع مثلا أنني سأكون إنسانا حرا في اللامكان، لا تحدني حدود و لاتشدني قيود، و لاتطالني يد إنسان متسلط. لكنني اكتشفت، و بالتجربة، أن الحرية هنا تفقد أغلى ما فيها: قيمتها. أقصد، أنه لا قيمة لحرية لم تعد تعمل لأجلها، لم تعد تتوق لها، و لا حتى تشغل تفكيرك. جاءتك دون أن تقصدها لذاتها، و أغرقتك حتى لتعجز عن تذوقها. صدقني يا أخي، إحساسك بالمكان هو إحساسك بالحرية. ذاك الشعور الدائم بالضيق الذي يدفعنا لتوسيع حدودنا، أشبه بسجن محرض، يذكرنا بحقنا البشري في السير على أراضي الله الواسعة، دون أن يمنعنا شيء.لا أنصحك يا أخي أن تأتي إلى هنا، فاللامكان لا شيء، لا قيمة له. لا تتخلى عن حقك بالوجود في المكان، فحينما يسلب منك المكان. تسلب الحرية!

– يبدو أنك لست سعيدا، و أن اللامكان لا يعجبك، فأخبرني متى ستعود؟

– لن أعود قريبا، فأنا أخطط إلى رحلة أخرى.

– أنت مجنون حتما. أي رحلة في اللامكان إن لم تكن العودة إلى المكان؟!

– حسنا، لو كنت عندكم لقلت: (لا تكن سطحيا). و لكن لأنني هنا فسأقول: لا تكن تكعيبيا، و فكر ببعدٍ جديد.

– حسنا، قد قلت لي أن اللغة ستكون أضيق من تجربتك، يبدو أن تفكر في رحلة إلى خارج الزمن.

– فعلا.

– و متى ستعود؟

– و داعا!

****************

ثمة غرفة شاغرة في بيتنا. ليست شاغرة فحسب، بل باردة أيضا، كأن لم يقطنها إنسان. هذه الغرفة تبدو غير مستخدمة على الإطلاق، لكننا نعلم مما تبقى في الذاكرة، أن زمنا قد أتى على هذه الغرفة، و هي منام لأخي.
أمر غريب قد حصل منذ أن وصلني خبر أخي في اللامكان. ما عادت الأماكن تذكرنا به. و حده الحنين إلى زمن نتشاطره يذكرني به. لقد تلاشى أثره من المكان. و هكذا, عندما ذهبت إلى سور مدرستنا القديم الذي كنا نكتب عليه بالبخاخات، بعد أن قادتني ذكريات زمن الطفولة التي تشاطرتها مع أخي، كان خطّي الطفولي لا زال موجودا، بينما تلاشت كلمات أخي!

ظلت الحال هكذا، دون أثر، فقط الكثير من الحنين. حتى وجدت رسالة جديدة في بريد الإلكتروني.

الرسالة الالكترونية:

كيف الحال يا أخي؟ أرجو أن تكون بخير. أعلم أن مقتضى الحال تتطلب أن أقول كم أنا مشتاق لك، لكنني لا أستطيع ذلك. و أعلم أنه ينبغي أن أحدثك عن حالي، لكنني لا أجد حالا أصفها. سيتبين لك ما أقصد في هذه الرسالة، فأرجو أن تتفهم ما ستجده من جفاف، و انغماس في تجربتي الذاتية.

أحدثك من اللا زمن. حيث يخسر أحدنا روحه. لا أقصد أنني مت، فحينما كنت في اللامكان، كان جسدي مقيدا، كصنم لا يجد محيطا يتحرك فيه. و هنا، أي خارج حدود الزمن، أصبحت روحي مقيدة، لا تجد زمنا تتحرك معه. كنت أظن يا أخي أننا ندرك الزمن بتبدّل النور، أو حركة عقرب الساعة، لكنني نسيت أنني حينما كنت أستلقي في غرفتي، مغلقا الستائر، و مقيدا بالخمول، كنت لا أزال أشعر بثقل الزمن، كما يشعر به سجين في غرفة مظلمة، يعجز عن الإبصار و يعجز عن الحركة. لم أنتبه أن ثمة حركة داخلية في أرواحنا تجعلنا ندرك الزمن. تلك العجينة من المشاعر في داخلنا، تحتاج إلى زمن لكي تختمر من حالة إلى أخرى. و ذاك العبق المزاجي يحتاج إلى زمن لكي يعتق مشاعرنا في قرارة الروح، فيرى الناس في أعيننا نفحة من الحزن أو الرضى. و منذ أن اخترت التمرد على الزمن، و أنا لا أشعر بشيء. لا أشعر بالحزن أو السعادة، فلا ماض يلاحقني. و لا أشعر بالخوف أو الحماس, فلا مستقبل ينتظرني. لا أشعر حتى بالشوق لك، فمن لا يجد وقتا للحزن لا يجد وقتا للسعادة، و حتما لن يجد وقتا للشوق! ببساطة, خسرت مشاعري, بل روحي. كلا, خسرت بشريتي!

آآآآآآه ..يا أخي.الإنسان، هذا الكائن الذي يفنيه الزمن، دون زمنٍ يسيّره، يفقد بشريته. فإما إله, وحاشا لله أن نكون، و إما عدم!

ملحوظة مهمة جدا جدا: ربما لن يثنيك كل ما قلته عن محاكاتي، و قد تختار أن تكون أحمقا فتأتي إلى هنا، لكن عليك أن تعلم أولا، أنني قد كتبت هذه الرسالة في اللحظة التي احتجتها لتجاوز برزخ الزمن. فهنا، أقصد خارج نطاق الزمن، لا تمتلك وقتا لأي شيء..حتى للعودة!

************************

بين يدي الآن، شريط و ورقة، أحملهما معي أينما ذهبت. تسجيل لصوت غير مألوف، يزعم أنه أخ لا أذكره، أدّعي اشتياقي له رغم ذلك. و نسخة مطبوعة من رسالة الكترونية لا تحمل عنوانا، أو تاريخ، من صاحب الصوت فيما يبدو. فكرت أن أسال من حولي إن كان لي أخ لم أعلم به، لكنني أتراجع في كل مرة، فلست أرى في عيونهم الفقد!

بين يدي الآن، شريط و ورقة، أحملهما معي أينما ذهبت. و كلما ضاقت بي الدنيا، أو رزحت تحت وطأة الدهر، حتى تمنيت أنني لم أولد، أخرجتهما لأستمع إلى الشريط، و أقرأ الورقة.

طارق الجارد، ٢٠٠٥م، الرياض

أين ذهب لاأحد؟

أين أنت يا لاأحد؟!

مضى وقت طويل منذ رأيتك. و طال الزمن على ذاكرتي، حتى توهمت أنك فعلا لا أحد، و نسيا منسيا.

لا يُتوقع من جيل ما بين الحربين إلا تلك الريبة. فحينما أتى دكتور بينفيلد من نيويورك في ثلاثينيات القرن الماضي ليبني المشفى العصبي الحديث، أمام مشفى فكتوريا الملكي العريق بمونتريال، كانت الخطة أن يكون الجسر بينهما مفتوحا، لنقل المرضى و الخبرات. لكن ذاك الجيل مازال مأزوما بعُقَد الحرب العالمية الأولى.
إنها ريبة العالم الحديث من العالم القديم، و زمن سقوط الأباطرة والقياصرة والسلاطين القدماء لصالح دول أكثر حداثة. الجيل الذي شاهد حروب الخنادق لم يجد ضيرا في التخندق داخل حدوده، و إغلاق الجسر حتى يصبح “أرض اللا أحد”  No Man’s Land، التي كانت تمحوا كل الأحياء بين المعسكرين المتخندقين على الجبهات بين الجيوش المتقابلة.

كل أولئك الأطباء والرجال المسؤولين عن ذاك القرار السخيف بالانغلاق على الذات وإغلاق الجسور في وجه الآخر، رأوا تبعات عصبيتهم الحمقاء حينما تم جرهم و تجنيدهم للجبهات في حرب شاملة أكثر فتكا من الأولى. الرعب الذي واجهوه في الحرب العالمية الثانية، أعادهم لجزع الأطفال و أنجاهم من الحرب بحكمة الكهول. فبعد الحرب، أصر الكل على إبقاء الجسور مفتوحة قدر الإمكان، و قنوات التواصل متاحة، لمنع كارثة أخرى. و لم يكن الجسر الممتد بين المشفيين إلا انعكاسا مصغرا للعالم الجديد.

فُتح الجسر بعد الحرب، و ابتدأ نقل المرضى والخبرات والأجهزة بين المشفيين. لكن ظل الجسر ذاته منطقة منزوعة السيادة، و كأنه أرض اللا أحد. أقصد حينما يعبر مريض أو طبيب أو جهاز عبر الجسر إلى المشفى الآخر، يعرف الجميع إلى أي مشفى ينتسب و يتبع. وفي الجسر، يصبح التساؤل عن هوية أحدهم عبثا يضاهي عبث التساؤل عن بلاد النوارس المحلقة في الفضاء. في الجسر منزوع السيادة، في أرض اللا أحد، في الحيز التافه بين تلك البيروقراطيتين، بالأحرى في الهامش الذي يفصل بين ذينك العالمين، عاش “لاأحد”. 

لا أذكر إن أسميناه “لاأحد” أم هو أسمى نفسه “لاأحد”. و رغم أن ذلك يصعب على التصديق، و كأن  لاأحد امتداد لمخيلتي، إلا أنني متيقن من وجوده. و إلا ما الذي كان يرفع سجائرنا فترتجف معلقة في الهواء؟! ويصد الريح عندما نمد قداحاتنا لنشعلها للعدم؟! ثم نرى نفثات دخانها تهتز في الجو و كأنها تخرج من فم شبح مرتعش؟!

ربما في إحدى تلك الفسح التي كنا نأخذها تحت الجسر لتدخين السجائر و شرب القهوة، حدّثنا. كان دائما ينزل من الجسر و يتبعنا ليطلب سيجارة. الأحاديث معه قصيرة، تدور عن حاجته للسجائر، ومحاولتنا لإشعال سيجارته في صرير الريح الزمهرير. و مرة انحرف الحديث -إن أصابت ذاكرتي- قليلا:

  • هل سنعرف اسمك يوما؟!
  • أنا لا أحد!

و كانت هذه الإجابة وافية.

كان “لاأحد” أكثر منا جهوزية لكل الفصول. نحن المهاجرون الطارئون احتجنا الكثير من السنين لنعرف كيف نلبس لكل الفصول. فأول هبوط للثلج يباغتنا كل سنة. الوقوف أمام دواليبنا كل صباح محيّر. و تحديد ما نحمله في عفشنا كل سفرة مرهق. أما لاأحد، فكان يرتدي دولابه كله على جسده، و يحمل عفشه -بل مُلكه من الدنيا- كله فوق ظهره.  وهو مستعد لشتى الفصول بكل الطبقات من الملابس التي يرتديها. ما عليه سوى أن يخلع أو يتدثر بما يحتاج منها.

في مدخل الجسر حمّام واسع، فيما يبدو كان مغطسا قديما لنقاهة المرضى في المشفى الفيكتوري العريق المبني على تلة مرتفعة من المدينة، كما كانت المصحات تفعل -فيما مضى- بحثا عن الهواء النقي. و عندما بدأ بناء الجسر، تحوّل المغطس إلى دورة مياه واسعة. لعل لذلك غاية وقت بنائه، كأن يكون مُرتاحا لبنّائي الجسر، كي لا يعفّروا بملابسهم الملوثة نقاء هواء المشفى. أما الآن، فليس من حاجة لعابر الجسر القصير أن يقضي حاجته في هذا البرزخ، و لم يعد لدورة المياه الوسيعة غاية سوى أن تكون مناما للاأحد.

في كل ليلة، يتسلل لاأحد إلى الحمّام الذي لا يستخدمه أحد. يفرش عفشه على بلاطه الواسع، و يتدثر داخل كيس النوم الذي يحمله على متنه، و يغلق على نفسه باب الحمام. أعرف ذلك لأن موعد مروري بالجسر كل صباح إلى الكافيتريا، يتوافق مع موعد استيقاظه. فيفتح الباب و هو يحمل و يوازن عفشه على ظهره ثم يجاورني في طريقنا إلى الكافيتيريا. و حينما نصل إلى هناك نفترق: أنا أذهب إلى مدخلها، و هو يذهب إلى مخرجها.
ينتظر عنده أحد الخارجين، يتظاهر أنه يساعده بفتح الباب كي يتسلل من خلفه، حيث توجد خزانات قهوة ستاربكس المجانية. فيملؤ لنفسه كوبا من ورق، و لا يحيط خصره بواقٍ كرتوني، كي يتسرب دفء القهوة إلى يديه، كما يتسرب دفء السجائر إلى صدره مع كل نفس. و أخمّن أن أيامه الوثيرة، هي الأيام التي نتقاطع بها بدل أن نتوازى في طريق الكافيتيريا. فأكون خارجا منها، وهو ينتظر عند المخرج. و هو ما يعني أن الشطر الثاني من توست البيض، الذي يفيض على شهيتي الصباحية لمّا نتقاطع، سينتظره في كوّة نافذة الجسر، داخل صندوق فلّيني أبيض.

حينما يشتبه به رجال الأمن في المشفى الفيكتوري، يتظاهر أنه قادم من المشفى العصبي. و حينما يشتبه به رجال الأمن في المشفى العصبي يوهمهم أنه يتبع المشفى الفيكتوري. و لما تحاول السلطتان تضييق الخناق عليه، يقف في الجسر: أرض اللاأحد. أو ينزل تحت الجسر ليقترض السجائر منا، أو يدخل بين معمعة سيارات النقل والتحميل التي تركن و تنزل حمولتها تحت الجسر.

كان عصيا على الرؤية مثل “أميبا”، يستطيع أن يجد لنفسه حيزا في الأماكن المجهرية التي تغيب عنها العيون و كاميرات المراقبة. و كان وحيدا وحدة كائن وحيد الخلية. و كان هامشيا و خفيف الكلفة، قادرا على التكيف مع شح الموارد. يتكيف بطريقة يعجز عن تخيلها أي إنسان “متحضر”، قد ينقرض أو يتوحش على أخيه الإنسان، لو اضطر لذات الشح.

في ٢٠١٥م، أغلق المشفى الفيكتوري أبوابه بعد مرور قرن من بنائه و انتقل إلى مبنى حديث. نُقل كل شيء من المبنى القديم: المرضى المزمنين، الطاقم الطبي، الأجهزة، اللوحات و التماثيل، و سقط “لاأحد” سهوا من متاع المشفى بعد أن تم إقفال الجسر بالسلاسل!
كانت تلك السنة آخر مرة رأيت فيها لاأحد.

أغرب أشكال الوداع التي عرفتها، وداع الناس الذين لا تعرفهم جيدا. كل الآخرين تمتلك خيار الوداع معهم.
أما إذا تركت بلدا بعد أن عرفتها فترة طويلة. لا يتسنى لك وداع الوجوه التي تراها و تراك في في مقصورة المترو كل صباح. لا يتسنى لك وداع قاص تذاكر السينما. لا يتسنى لك وداع الساقية المليحة التي تقدم لك طبق الباستا في الليالي التي تعود بها من العمل متأخرا على الطبخ وعلى المطاعم، و لا يتبقى لك سوى مطابخ الحانات. لا يتسنى لك وداع  العجوز التي تنثر الخبز كل سبتٍ ربيعي في الحديقة القريبة من شقتك. و لا يتسنى لك وداع “لاأحد”.

لا أعلم ماذا حصل للاأحد بعد ذلك. هل يجد نصف شطيرة بيض في صندوق فليني ذات صباح؟. هل يعيره أحدهم سجائرا عندما يصيبه الصداع؟. هل مأواه الجديد أوسع أو أضيق من المغطس الذي تحول إلى دورة مياه؟ أم وجدته إحدى جرافات الثلج ميّتا تحت كومة ثلجية بعد عاصفة جليدية؟ أو طحنته دواليب شاحنة النفايات بعدما نام في مكب القمامة متدثرا بالجرائد؟ 

الناس الذين لا تودعهم لأنك لا تعرفهم جيدا و لا تتذكر أشكالهم جيدا، يتمثّلون لذاكرتك بشكل لا تتوقعه. أرى “لاأحد” في الطريقة التي يوازن بها رجل حقيبته على ظهره بالمطار. أرى “لاأحد” في فوضى لحية رجل أشغلته وعثاء الدنيا عن تهذيبها. أرى “لاأحد” في ارتجافة بائع “شاي على الجمر” في الليالي القارصة.

طارق الجارد،  ديسمبر ٢٠٢٠م، الرياض

ما الذي ينقص ميسي ليخلد اسمه في الإلياذة الكروية؟

ما الذي ينقص ميسي ليصبح مارادونا؟
التاريخ و عرقوب آخيلس.
و رغم أن ميسي اقتفى كل الخطوات التي تثبت أنه بمحاذاة مهارة مارادونا، إلا أن تسجيله لهدف من نصف الملعب أو تسجيله لهدف بيده، و حتى تبني مارادونا له كخليفته الكروية، لا يحولانه إلى أسطورة كروية. و كما أن العبقرية لا تقبل للخضوع للمسطرة، فإننا لو استطعنا تحويل المهارة الكروية إلى معادلة، و أثبتنا أن ميسي أفضل من مارادونا، فإن ذلك لا يعني خلود ميسي في الإلياذة الكروية.

في عام ١٩٨٦، مرت أربع سنوات على حرب جزر فوكلاند، و كانت إنجلترا و الإرجنتين أمام معركة أخرى في ملعب الأزتك بالمكسيك. إنجلترا التي تفككت من إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس إلى جزيرة بالكاد تعرف النهارات المشمسة، لم تتحمل تجرّؤ جنرالات الأرجنتين على محميتها السابقة. و قامت بحملة عسكرية لا قيمة لها سوى الإبقاء على بقية من مجد. الجنرالات الأرجنتينيون ما قاموا بهذه المغامرة إلا لثقتهم بأن دورهم في “الحروب القذرة” التي قادتها الاستخبارات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، لن يذهب من غير تقدير.

الانتصار في تلك الحرب التي أججت المشاعر الوطنية في الطرفين، كان في صف الإمبراطورية العجوز المتكئة على عكاز من الدعم اللوجيستي الأمريكي. الأرجنتينيون، بعد أربع سنوات، كانوا على موعد من الانتقام في ربع النهائي بكأس العالم، لكن هذه المرة بروح مختلفة. الروح الوطنية المكسورة، تحولت إلى فخر بأرجنتينا الجديدة. الأرجنتينيون أسقطوا حكومة الجنرالات المسؤولة عن الهزيمة، وبدؤوا بمحاكمة الجونتا على الحروب القذرة و حوادث اختفاء البشر بلا أثر في السبعينات.

كل شيء كان يوحي بأن شيئا تاريخيا يوشك أن يحدث على أرض الملعب: المشاعر الملتهبة، شرائط النصر البيضاء المنهمرة من المدرجات، و الحمائم البيضاء التي كانت تحلق و تمشي قريبة من اللاعبين. هذه الحمائم التي قيل أنها من نسل الحمامة التي وقفت لساعة كاملة على كتف فيدل كاسترو ذات خطاب نصر قبل أكثر من عقدين، الصديق العزيز لمارادونا و بطله الشخصي في مواجهة الإمبريالية الأمريكية.
مارادونا الذي سجل هدف القرن في تلك المباراة، و سجل الهدف الأكثر جدلا بيده، كان واعيا بتاريخية اللحظة، و لم يكن بطل الصدفة. بل لنقل إنه كان يؤمن بأن العناية الإلهية تؤيده في مواجهة الإمبراطورية العجوز. فعندما أحرجه الصحفيين بالأسئلة حول الطريقة التي سجل بها الهدف، قال: ” شيء من رأس مارادونا، و شيء من يد الرب!”. و مُنيت يومها إنجلترا بهزيمة بلعبتها التي دائما ما تفاخر بتعليمها لبقية شعوب الأرض.

كما أن ميسي رغم شقاوته، لا يصل بشقاوته إلى روح مارادونا الثورية الفوضوية. مارادونا “ولد حارة” لا يعترف بالبروتوكولات و المراسيم الأرستقراطية. و لا أتخيل أن ميسي ستصيبه غضبة مُضرية كالتي أصابت مارادونا في مباراة برشلونة النهائية على شرف الملك الإسباني خوان كارلوس. مارادونا بدا -و هو يركل و يلكم اللاعبين بفوضوية- كثائر من أمريكا اللاتينية، لا يُكِّن أي احترام خاص للملكية الإسبانية وتاريخها الاستعماري في قارته. لقد تنحى الملك الإسباني في تلك الليلة عن مقصورته خشية أن تهتز صورته أمام شعبه. و هو ما تسبب في طرد مارادونا إلى منفاه الجديد بإيطاليا. ليبدأ بشق طريقه من جديد مع فريق الطبقات الكادحة: فريق نابولي. أمام فرق إيطالية تحتكر البطولات و المال و السياسة كأنها الإقطاع. و لم يصدق صيادو نابولي و ربات منازلها وحتى راهباتها، أن الرب سيستجيب لصلواتهم كل أحد، و يهب فريقهم و مدينتهم الفقيرة فرحة النصر.

ميسي إن أراد أن يكون بطلا في المخيلة، لا بد أن يكون له خصوم و أعداء يكيديون له. كخصوم مارادونا الذين أصابوا عرقوب آخيلس لديه، و استغلوا ضعفه أمام الكوكايين.

أنا و أبناء جيلي، لم نكن بحاجة لأن نكون واعيين بكل ذلك، لكي نسمع و نصدق أسطورة مارادونا و نحن أطفال. لقد رأينا جدة تخرج كلها لاستقبال مارادونا حينما لعب تلك المباراة الودية مع الأهلي. و رأيت -شخصيا- عمي يبكي مع مارادونا حينما خسرت الأرجنتين كأس العالم أمام ألمانيا عام التسعين الميلادية.

الآن بإمكاننا أن نتحرى إن كانت الأسطورة ستتخلق من جديد أمام أعيننا، أو سيخذل التاريخ ميسي، و سيجد نفسه بطلا في غير زمانه وظروفه، بلا أشرار يكيدون لعرقوبه. كأن يولد آخيلس في زمن بلا حروب، أو يولد آينشتاين في قبيلة أمية معزولة بأدغال الآمازون، أو يولد المتنبي أصما أبكما.

طارق الجارد، مونتريال، ٢٠١٠

الكينونة التاريخية لقطعة البريتزل

لطالما حيرني شكل قطعة البريتزل، ما الذي يدفع أحدهم لربط خبزته في عُقدة؟! 

كنت أعتقد أن بحارا في الشمال الألماني قد ساوره الحنين لفتاة التقاها بميناء أبردين بسكوتلندا، حيث يوثق البحارة قواربهم إلى أوتاد الميناء بعقدة تشبه -بشكل مثير للدهشة- عقدة البريتزل. ربما حينما عاد إلى بيته في ألمانيا لم يستسغ طعم الخبز، حتى عقد عجينته على عُقدة أبردين، و كأنه يوثق قلبه مرة أخرى عند ساحل حبيبته.

من الواضح لي الآن، بعدما عرفت عن تلك الحادثة، أن عقدة البريتزل لم تكن سوى عبثا طفوليا بالعجين، في انتظار أن يكشف التاريخ عن الدور المعقد الكامن في قطعة البريتزل. الكامن مثل كهرباء ساكنة في الأجسام التافهة، تنتظر أن تبرق في اللحظة المناسبة. 

إن بإمكان قطعة بريتزل واحدة و وحيدة، أن تتمظهر في مقود دفة سفينة (و إذ أفكر بذلك، يطرأ ببالي التشابه العجيب بين مقود السفينة الخشبي و قطعة البريتزل!).

في الرابع عشر من يناير ٢٠٠٢م، اجتمعت الأمة الأمريكية لمشاهدة مباراة كرة القدم أمام التلفاز، لتلهى عن مخاوفها. و كما أود الحديث عن قطعة بريتزل واحدة و وحيدة، فلا أود سوى الحديث عن مشاهد واحد و وحيد من تلك الأمة: الرئيس جورج بوش.
كان جورج بوش يشاهد المباراة وحيدا في غرفته بالجناح الشرقي من البيت الأبيض، بينما زوجته تمارس الرياضة في غرفة بعيدة. كان يبتلع قطع البريتزل واحدة تلو الأخرى دون مضغ وهو يشاهد المباراة بحماس. حينما قفز من مقعده اعتراضا على عدم “عدالة الحَكَم”، قررت قطعة بريتزل أن تدور في حلقه و تتخذ مفترق الطرق نحو حنجرته. جورج بوش، الذي نجا قبل بضعة أشهر من طائرة مختطفة موجهة نحو البيت الأبيض، اختنق بقطعة بريتزل قررت أن تنفرد بمسار مختلف عن كل قطع البريتزل الأخرى.
فقد بوش وعيه و هو يصارع الاختناق، و ارتطم صدغه بحافة الطاولة، ارتطامة لم يسمع صوتها أحد. لا أحد يعلم كم ظل على هذه الحال، و كم تبقى له لينزلق من غيبوبته إلى حتفه. كل ما يذكره بوش بعد هذه الحادثة، أن ما أيقظه لعقات “بارني” لوجهه، ليتمكن من السعال و لفظ البريتزل. بارني -الكلب المنحدر من سلالة اسكتلندية بأبردين- كان الوحيد الذي شهد تلك الحادثة. و في غيابه، من الوارد أن رئيس القوة العظمى على هذه الأرض، سيقع ضحية لقطعة بريتزل. قطعة بريتزل واحدة و وحيدة، تستطيع أن تتجاوز حاملات الطائرات و النفاثات لتصل إلى البيت الأبيض. تستطيع أن تنسلّ بخفية عبر ثغرات شبكات التنصت السرية الواسعة. تستطيع أن تفلت من رجال الحماية السرية المستعدين لتلقي رصاصة عن الرئيس. تستطيع تجاوز فحوص السموم في مطبخ البيت الأبيض. لتصل عبر كل ذلك إلى حنجرة الرئيس، و تكتم أنفاسه.

الآن أرى شكل البريتزل يشبه مقود دفة سفينة التاريخ، و عقدتها تشبه تعقيدات الأزمنة المحتملة عند مفترقات الطرق.

أفكر بالعراقيين الذين رأيتهم بكندا. أولئك الذين نزحوا بعد حملة بوش في ٢٠٠٣م على العراق. أفكر بجمال و “مسقوفه” اللذيذ، و حنين جمال الدائم لمسقوف شط العرب. يقول جمال أن سمكة “تلابيا” نهر السانت لوران، لا ترقى إلى “شبوط” شط العرب. أن فحم مونتريال، لا يترك ذات النكهة التي يتركها حطب البصرة.
أشك أن مسقوف البصرة ما يحن إليه، أظن أن جمال يحن إلى وظيفته الوادعة في إدارة تعليم البصرة، بدلا من مطعم المشويات العراقي الذي اضطر لفتحه بكندا.

أفكر بالأطفال الأفغان الذين عاشوا تحت سماء لم تخل من الدرونز قط، يعرفونها كما يعرفون السحب. تعلموا ومضة الصاروخ قبل أن يتعلموا ومضة الشهاب. و أدركوا رعدة القنابل ولمّا يدركوا رعدة الغيم.

أفكر بالمئات من الأمريكيين الذين ماتوا عطشا و جوعا بعد أن نجوا من إعصار كاترينا، بسبب تقاعس بوش عن تقديم الدعم الفيدرالي للولايات المنكوبة. و خصوصا من ماتوا في فلوريدا، الولاية التي أكسبته الانتخابات! 

أفكر بالغصّة التي تجتاح حلوقنا كلما نذكر العراق، توشك أن تكون غصة قطعة بريتزل اتخذت مفرق الطرق نحو حناجرنا.

ولا يملك أحدنا، بعد أن يعرف تلك القصة، إلا أن يتساءل: أين ستذهب حيواتهم الآن إن استمرت قطعة البريتزل تدور نحو الحنجرة، كدوران مقود سفينة يود قبطانها تجنب الجبل الجليدي؟!

سبحان من وضع في عقدة البريتزل تاريخ الخلق المعقد! 

حينما كان الكون كله أصغر من قطعة بريتزل، عظيم الكتلة، عظيم الحرارة، عظيم الاحتمالات. ينتظر لحظة الانفجار العظيم لينفتح تاريخه الواسع متشظيا إلى مجرات و شموس و كواكب، و بشر من حمأ يعمرون الأرض ويسفكون الدماء، و يصنعون البريتزل و يأكلونه، و يغصون به. في كل لحظة من لحظات الكون، مفترقات طرق محتملة للأشياء و الأحياء، كل منها يصنع تاريخا مختلفا للعالم الذي نكابده. مفترقات طرق تشبه مفترق الطرق الذي مرت به قطعة البريتزل، يحمل بداخله احتمالات عظيمة لتاريخ مختلف.

خرج بوش للصحافة بعد حادثة البريتزل، بكدمة في صدغه و خدش خلف عينه، و خاطب الأمة الأمريكية بخفة من يمسك دفة التاريخ و لا يدرك:

-أنصحكم بما تنصحني به أمي دائما، امضغوا قطعة البريتزل و لا تبلعوها!

ثم مشى، مخلفا وراءه أثرا من الأسئلة التاريخية المعلقة. 

طارق الجارد، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٠م، الرياض.

أطلال العهد الرقمي

لا أحد يذكر ذلك، و لكن على هذه الأرض من الموتى أكثر من الأحياء. ليس فقط من فقدناهم، بل من غادرونا منذ قرون و اندرست منازلهم. من يوم ما وارى قابيل سوأة أخيه، و الميزان يطغى حتى رجحت كفة الموتى على الأحياء. و ما عاد بالإمكان رؤية هذه الأرض إلا كمقبرة ضخمة يسعى الأحياء في مناكبها. من النِعَم، أن الحيز الذي نحتاجه في حياتنا يفيض عن حاجتنا حينما نموت، وبالكاد نرى الأرض تتسع لرفاتنا إن تخيلنا ذلك حقا. يُدرك ذلك حفّار القبور، فكلما تضاءل ما تبقى من عمره، يرى ما تبقى من المقبرة يتضاءل. أثناء حياته يحتاج غرفة نوم و حماما و مطبخا، و أرضا يسعى بها و يسعى بها أبناؤه. لكنه يعلم أن أبناءه سيكتفون بقبر مفصّل على مقاسات جثته مثل ثوب جديد!

سيأتي يوم و يصبح الحيز الذي يشغله الموتى من العالم الافتراضي أكثر من الحيز الذي يشغله الأحياء. و حينها ينبغي أن نتساءل: أين تذهب حسابات المغردين حينما يموتون؟ و أين تقع مقابرهم؟ و ما هي آثارهم و مآثرهم؟

حسابات الموتى هي أطلال العهد الرقمي. لمحمد علي كلاي حساب لا زال يغرد بمآثره، و ينحب عنده مُحبيه. و للمرشح الرئاسي السابق “هيرمان كاين”، حساب لا زال يغرد مستخفا بمخاطر الكورونا، رغم موته بالكورونا بعد التقاطه للفيروس في أحد التجمعات الانتخابية لترامب.

و لكن ماذا عن الذين لا يدير حساباتهم أحد بعد موتهم؟!

من المؤكد أن تغريدات الأحياء ستطمرهم في باطن تويتر و تنزل منازلهم، كما يفعل الأحياء في الأرض بمنازل الأموات التي اندرست. 

إن وضع أحدهم تفضيلا لتغريدة ميت، فكأنما خالجه الحنين له. و إن أعاد التغريد له، فكأنما ذكّر الناس به، فآنس من التأم جرحه بذكراه، و نكأ جرح من لم يتعاف من الفقد. أتخيّل أحدهم يرد على تغريدة ميت مُغيظا الجميع من بجاحته، فنكتشف أن أرملته ما زالت تناجيه في العالم الرقمي، كما تناجيه في منامها.

في جيبي رقاقة ذاكرة، أصغر من أنملة إصبعي، تتسع لبداية و نهاية ابن كثير التي لا يتسع لها رف مكتبتي، و تفيض بسعتها الرقمية عنه. إذا كان كل ما حاول أن يجمعه ابن كثير من علم عن بدء الخلق و نهايته، و ما دار بينهما من حياة وموت و بعث، و دول قامت و اندثرت، و ثورات نجحت و أخرى أخمدت، و بطولات و خيانات، و حصن للدماء و قطع للرقاب. إن كان كل ذلك، بالكاد يترك نقشا في رقاقة ذاكرتي الرقمية، فأية مساحة سيشغلها حسابي و بصمتي الرقمية في العالم الافتراضي بعدما أرحل. من المؤكد أنني سأتصالح مع حيز رقمي مفصّل على مقاس بصمتي الافتراضية. كما يتصالح حفار القبور مع الحيز المفصل على مقاسه من قبره، ليترك حيزا أوسع لأبنائه في الأرض.

طارق الجارد، ٤ سبتمبر ٢٠٢٠م، الرياض.

فن الراوي المُريب

فن الراوي المُريب
(قراءة في ٣ قصص لأب القصة اليابانية الحديثة: رينوسكي أكوتاغاوا)

تنويه: هذا النص سيكشف أحداثا مهمة من قصص أكوتاغاوا. إن قرأت أكوتاغاوا مسبقا، فأزعم أنك ستجد شيئا مشوقا أدناه. و إن لم تفعل، فأزعم أن هذا الكشف لن يضير استمتاعك بقراءة قصصه بل سيضيف لها. لك أن تصدق زعمي، فتستمر. أو ترتاب، فتتوقف.

هذه السنة، وتحديدا في العاشر من يونيو ٢٠٢٠م، أغلقت الشرطة السويدية ملف أكبر قضية في تاريخها دون القبض على جاني، أو التيقن من هويته. التحقيق بدأ في ١٩٨٦م، في الليلة التي أردى أحدهم “أولوف بالم” برصاصتين، و هو عائد راجلا إلى بيته من سينما مجاورة، برفقة زوجته. التحقيق يعد من أطول التحقيقات و أكثرها كلفة في التاريخ. استعان فيه السويديون بالإف بي آي، و تتبعوا ما يقرب من ٤٠٠٠ خيط و علامة اشتباه. الشرطة أرادت أن تثبت كفاءتها للرأي العام مهما كلف الأمر من وقت و مال، فلا مهانة سياسية و فشل مثل العجز عن كشف قاتل “أولوف بالم”، رئيس وزراء السويد!
الأغرب من ذلك، أن قضية مقتل رئيس الوزراء السويدي لم تحل، رغم اعتراف ١٣٤ شخصا بقتل “أولوف بالم”.
أما لماذا يتطوع ١٣٤ شخصا للاعتراف بجريمة خطيرة كهذه، دون أن يكون لهم علاقة على الإطلاق بها؟! فهذا أمر ذو علاقة -بمعنى ما- برواية “الحارس في حقل الشوفان”.

في قصة “في غابة” لأكوتاغاوا. تحدث جريمة قتل داخل أحراش غابة تتضمن ثلاثة أشخاص: رجل ساموراي نبيل، الذي وُجد مطعونا في صدره. زوجته الحسناء، التي وجدت في حالة هلع في أحد المعابد البوذية. و قاطع طريق أفّاق و مشهور اسمه “تاجومارو”، و الذي وجد مصابا بعد سقوطه من حصان رجل الساموراي المقتول.
الأشياء الثابتة في القضية: أن رجل الساموراي قُتل و سرق حصانه، أن زوجته الحسناء انتهك شرفها، و أن قاطع الطريق تاجومارو اعترضهما. لا شهود على هذه الجريمة إلا هؤلاء الثلاثة و الرب. و لكن المعابد البوذية لا تؤمن بالرب و لا بيوم حساب تتكشف فيه الحقيقة. و الحقيقة ينبغي أن تظهر في بلاط المحكمة الإمبراطورية عن طريق الشهود الذين ستستجوبهم على انفراد.
تاجومارو الأفّاق، ليس لديه ما يخسره سوى سمعته. فالشهرة التي راكمها من قتل المسافرين و استباحة أعراضهم و أموالهم كافية لتعليقه من المشنقة غدا، دون أن يقتل رجل الساموراي. وهكذا أطرى على نفسه كثيرا و هو يصف الطريقة التي خدع بها الساموراي بعيدا عن زوجته، لينازله بالسيف بشجاعة و نبل حتى تمكن منه و قيّده. ثم جلب زوجته الحسناء ليواقعها أمامه بفحولة لا تعرف النساء مثلها. و بالأخير، قتله لأنه أشفق عليه و لم يرده أن يعيش أكثر مع هذا العار (يزعم أن رجل الساموراي رجاه أن يفعل).
أما زوجة الساموراي، فقالت أنها تبعت تاجومارو بعد أن أخبرها أن زوجها قد علق في أخدود و يحتاج مساعدتها لإنقاذه، لتجد أن زوجها مقيد. أن قاطع الطريق طرحها و اغتصبها أمام زوجها، ثم هرب بالحصان دون أن يقتل زوجها. و أنها لما رأت في عيني زوجها الخجل من الدنس الذي انتابها، و نظرة الاشمئزاز منها، قررت أن تطعنه بصدره! 
(تزعم أنها حاولت الانتحار بعد ذلك، و لكنها لم تستطع).
في الغابة، لا شهود على هذه الجريمة إلا هؤلاء الثلاثة و الرب، و لكن المعابد البوذية لا تؤمن بالرب و لا بيوم حساب تتكشف فيه الحقيقة. و الحقيقة ينبغي أن تظهر في بلاط المحكمة الإمبراطورية عن طريق الشهود الذين ستستجوبهم على انفراد، فالقاتل ما زال مجهولا. و لذلك قررت المحكمة -بشكل استثنائي- الاستعانة بعرّافة تتواصل مع روح الساموراي المقتول. قال الساموراي على لسانها: أنه بعد اغتصاب تاجومارو لزوجته، طلبت زوجته منه أن يقتل الساموراي و تعيش معه، لأنها لن ترضى بعالم يعيش فيه رجلين واقعوها. و لابد لأحدهما أن يموت، فليكن -إذن- زوجها. عندئذ احتقرها تاجومارو، وشاوره في أمرها و عرض عليه أن يقتلها (وهذا العرض لوحده، سبب كاف ليعفو عن قاطع الطريق).  وبينما يتشاوران، غافلتهم الحسناء و اختفت في الغابة حيث لا يعلمون.  حينئذ، قرر تاجومارو أن يسرق الحصان و سيف الساموراي ليقطع به قيده بضربة واحدة، ثم يترك رجل الساموراي ويرحل دون أن يقتله. سألت المحكمة: “من قتلك إذا؟”
أجاب الساموراي: “أخرجت خنجرا خفيا و طعنت به نفسي، لأنني لم أتحمل العيش مع العار التي جلبته تلك المأفونة. لا أعرف من سحب تلك الخنجر من صدري، لكن لما وصل الدم إلى حلقي و غبت في هذا الظلام، شعرت بيد تسحب الخنجر من صدري”!

على أحد زوايا مانهاتن بنيويورك، كان مارك شابمان يسلي نفسه بقراءة “الحارس في حقل الشوفان” بانتظار الشرطة، بعد أن أطلق أربع رصاصات على جون لينون. من الواضح أن دماء الجثة السائلة كانت تشير باتجاه مارك شابمان. و لذلك اختار مكانا بعيدا كفاية لتجنب تلوث حذاءه، و للابتعاد عن صرخات “يوكو أونو” -زوجة جون لينون- كي يستمتع بالقراءة. إلا أنه قريبا كفاية لكي تعرف الشرطة أنه القاتل. و عندما وجدته الشرطة و بمعطفه المسدس، قال “قتلت جون لينون، لأرث شهرته”!
جون لينون، مغني فرقة البيتلز، الذي دار العالم مع زوجته داعيا “للسلام العالمي” أيام حرب فيتنام، أُردي بأربع رصاصات من حسد في ظهره، أطلقها رجل يهوى قراءة “الحارس في حقل الشوفان”. 
جون لينون قضى شهر العسل في اعتصامات على الأسرة الفاخرة بفنادق أمستردام و مونتريال، متموضعا مع زوجه أمام كاميرات الصحافة على مخدع الحب، و ملوحا للجماهير من شُرَفَ الفنادق، و مروجا لأغنيته “أعطوا السلام فرصة” التي وظّفها للانفصال بشهرته عن البيتلز. قبل أن يُقتل بعدها بثلاثة عشر سنة، على يد رجل يُفضّل إعطاء الغيرة فرصة على حساب السلام.  
إن السبب الذي دفع ١٣٤ شخصا للزعم بأنهم قتلوا رئيس الوزراء السويدي، هو ذات السبب الذي دفع مارك شابمان لقتل جون لينون. بل هو ذات السبب الذي دفع تاجومارو الأفّاق للاعتراف بقتل ساموراي نبيل، قد لا يكون قتله. في قصة “في غابة”، كل الشهود يريدون أن يكونوا في مركز الحدث لهذه الجريمة، حتى لو استدعى ذلك أن يتنافسوا على الاعتراف بالقتل، بما فيهم القتيل نفسه!
أكوتاغاوا يقول بطريقة ما، أن كل شاهد “أي راوي” له أجندة ما، و دوافع تحرك روايته. و كلما كبرت القضية أو اشتهر القتيل، كبرت أجندة الشاهد، و اضطربت روايته، حتى أصبح مريبا. هو يفسّر أنه من النادر في أية جريمة، حتى لو كان فيها مجرم عتيد كتاجومارو و ضحية نبيلة كالساموراي، أن تكون كل أطرافها خالصة البراءة. فإن كان -على سبيل المقاربة- من خصلة غير بريئة مشتركة بين جون لينون و قاتله، فهي حب الخيلاء و الشهرة. ومن الوارد جدا لو أن مقتل جون لينون حصل في غابة بدلا من زوايا نيويورك المزدحمة، أو أن “الحارس في حقل الشوفان” غير مشوقة لحد أن يتململ القاتل و يترك مكان الجريمة، لتباينت روايات الأطراف الثلاثة -لينون، زوجه و القاتل- كتباين الرواة في قصة أكوتاغاوا. فلا شهود على الجريمة عندئذ، إلا الثلاثة و الرب. و جون لينون مثل المحكمة البوذية، لا يؤمنان بالرب. (بالمناسبة، زوجة جون لينون -يوكو أونو- يابانية، وأمها بوذية تنتمي لسلالة ممتدة من الساموراي).

“إن الريح التي هبت، لترفع وشاحها و تكشف وجهها الحسن، هي المُلامة. فبسببها عقدت العزم أن آخذ الحسناء عنوة، و عرفت أن عليَّ قتل زوجها”. بهذا التبرير التافه بدأ تاجومارو شهادته، قبل أن ينبّه القاضي أنهما يتشابهان: فالقتل الذي يمارسه أحدهما، لا يختلف عن الإعدام الذي يحكم به الآخر. و هو أمر يُذكِّرني برتابة أيام الإثنين، لأسباب قد أذكرها لاحقا.
في قصة “راشومون” كما “في غابة” يخوض أكوتاغاوا في التبريرات البشرية للجريمة، و كيف أن سردها للآخر لا يختلف عن سردها للذات. أن من يحاول كشف الدوافع الحقيقية للجريمة من خلال روايات فاعليها فقط، سيدخل في دغل من التبريرات التافهة و السطحية التي لا تصل للنزعات العميقة. و أنه من المؤكد أن حواراتاً مع النفس مشابهة تجري بعقول المجرمين قبل اقترافاتهم، فتلك النوازع و الدوافع الوحشية أعمق و أبشع مما يمكن لهم أن ينقّبوا بدواخلهم، و تستدعي تجميلها و تغليفها بتبريرات واهية بينما تطفو إلى السطح.
“راشومون” هي بوابة للعاصمة القديمة للإمبراطورية اليابانية: كيوتو. تناوبت على العاصمة المآسي من زلال، أعاصير، حرائق، طواعين، و أزمات اقتصادية حتى تهتّك الجانب الغربي من سورها، فأُهملت البوابة و هجرت. و هكذا صارت راشومون مرتعا للضواري و آكلات الجيف، و الجثث البشرية المجهولة، و في أحيان : للمختبئين من الشّذاذ. على هذه البوابة، اختبأ خادم من المطر بعد أن طرده سيده من العمل بسبب الأزمة الاقتصادية التي أصابت كيوتو. بدأ يشاور نفسه -و هو يتأمل ركام الجثث البشرية على سلّم البوابة- إن كان من الأصلح له أن يبحث عن عمل فيغامر بالموت جوعا و ينتهي مع تلك الجثث، أو يصبح شيئا لم يكنه قبلا: لصّا. و طالما يختبئ من المطر في راشومون، ظل عقله بندولاً يتأرجح بين العمل و اللصوصية، لا يعرف بأية جهة سينتهي. إلى أن رأى عجوزا هزيلة تستل خصال الشعر من رؤوس الجثث. أغاظه تدنيسها الموتى كثيرا، حتى نسي أنه كان يفكر أن يكون سارقا. فسحب سيفه و قرر مسائلتها. أخبرته العجوز أنها تصنع من خصال الشعر تلك باروكات تبيعها. وأن الجثة التي سحبت الشعر من رأسها للتو، تعود لامرأة كانت تجفف لحوم الثعابين و تبيعها للناس زاعمة أنها سمك مجفف، لتكسب لقمتها. إن المرأة الكذّابة تلك ماتت بالطاعون، و لا تظن أنها ستمانع أن تهب شعرا -لم تعد بحاجة له- لعجوز جائعة، تحاول كسب لقمتها.
الخادم وقع في مأزق أمام تلك الرواية. رواية العجوز- المفعمة بالتفاصيل- عن جثة متفسخة الملامح، مثيرة للريبة بالطبع. إن كذّبها، فهي عجوز لئيمة تستحق السرقة. و إن صدّقها، سيقبل تبريرها: أن الكل في راشومون عليه أن يحتال ليكسب لقمته!  
من الممكن القول أنه في تلك اللحظة، توقف البندول في عقله عن التأرجح!

أيام الاثنين رتيبة قطعا. و لنكن أدق، أيام بداية أسبوع العمل رتيبة و بغيضة (ففي بعض أنحاء العالم -كبلدنا- يبدأ أسبوع العمل بالأحد البغيض). 
أما في سان دييغو، فكل أيام الإثنين بغيضة، إلا أن أبغضها على الإطلاق يوم الإثنين الذي أتى في التاسع و العشرين من يناير عام ١٩٧٩م. عندما قررت بريندا سبنسر إطلاق النار على مجموعة من الطلاب يلعبون في باحة الألعاب في المدرسة الابتدائية، ثم عادت لمنزلها لتتحصن من الشرطة، و تتبادل معهم إطلاق النار. في هذه الأثناء، قرر أحد الصحفيين المتحمسين، أن يتصل عشوائيا على كل أرقام الهاتف في حيّها، حتى ردت عليه بريندا. و عندما سألها لماذا قررت أن تقتل أولئك الأطفال، أجابت: ”أنا -فقط- لا أحب أيام الإثنين الرتيبة، و ما فعلته يجعلها أقل رتابة”.
لا أعتقد أن أحدا ندم على هدية، كندم والد بريندا. البندقية التي استخدمتها لقنص الطلاب كانت هديته لها أيام الكريسمس قبل الحادثة بشهر فقط. لقد أهداها والدها الموت. و من المؤكد أنه يتسائل لو أهداها وشاحا من الصوف، ماذا سيكون مصير أولئك الأطفال اليوم؟!
حتى يومنا هذا، لا تزال بريندا سبنسر تقضي حكمها المؤبد بسجن في كاليفورنيا. لم تقدم أية تبريرات أخرى لجريمتها، و لم تبد ندمها قط.
إن أيام الإثنين بغيضة و رتيبة فعلا، خصوصا إذا كانت في يوم عمل لم يسبقه نوم كافٍ بنهاية الأسبوع. و لكن أيّنا مستعد لأن يقتل حفنة من الأطفال لمجرد الترويح عن نفسه في أيام الإثنين؟!

قبل الخوض في القصة الثالثة لأكوتاغاوا، علي أن أعطيكم خلفية عن حكاية “اليهودي التائه”. بحسب الموسوعة البريطانية، فإن أسطورة “اليهودي التائه” ظهرت في الأدبيات المسيحية الأوروبية بالعصور الوسطى، و ليس لها أصول قطعية في الأسفار الأساسية للديانة، على الأقل بالشكل الذي وصلت له الأسطورة. إنها قصة يهودي أنكر المسيح و نكّل به، فحكم عليه بالخلود في التيه، حتى عودته. المهم، تحكي الكثير من السرديات الدينية عن يهودي معمّر تائه في الدنيا، يلتقي بالقساوسة و يزعم أنه اليهودي التائه، فيحكي قصته. بعض الأدبيات تقول أنه أظهر الندم و طلب التعميد أملا في الخلاص، و بعضها تنكر أنه يطلب الصفح. يبدو أن الأسطورة تتأرجح بين الروايتين بحسب الدوافع السائدة في أوروبا تجاه اليهود عبر الحقب. فأحيانا تكون الأسطورة تبشير مبطن لليهود. و أحيانا تكون بغض مبطن لليهود.
المهم، القصة خرجت من الأدبيات الدينية و دخلت عالم الأدب و الفن. و أُعيد إنتاجها في الكثير من السرديات و المسرحيات و القصائد و الفنون. على سبيل المثال، الرسام “غوستاف دور” له نقش مستوحى من قصة اليهودي التائه. و بورخيس أعاد سردها بمعرض الحديث عن التناص.
يجدر التنويه هنا أن رينوسكي أكوتاغاوا لم يكن مطلعا فحسب على الأدب الإنجليزي، بل كان يعتنق الديانة المسيحية. مما مكنّه من كتابة القصة الثالثة: “اليهودي التائه”.
تبدأ القصة بسارد مُضمر. يتكلم السارد بصيغة الراوي العليم، و يحكي بتوسع عن تنويعات أسطورة اليهودي التائه في الأدب الأوربي، و خرافيتها. إن موسوعية و موثوقية و حرفية هذا الجزء تجعلك تفترض أن ريونسكي أكوتاغاوا هو السارد، و أنك تقرأ مقالة بحثية و لست في قصة، إذ أنه يُقرّ بخرافية هذه الشخصية العجيبة. إلا أن أكوتاغاوا لا يحيلك إلى أية مراجع، فإما أن تتوقف و تُحقِّق بنفسك كل معلومة يأتي بها، و إما أن تُسلّم بما يقوله السارد و تستمر. 
يعقب ذلك جزء يتسائل فيه: إن لم يكن اليهودي التائه خرافة، فحتما إن هذا العمر الطويل من التيه في الدنيا سيقوده في وقت ما إلى اليابان التي وصلتها المسيحية. ثم يصف وثائق وقع عليها في دير تشير إلى ذلك، و يعدك بأن يحدثك عن دقتها لاحقا. تسجل تلك الوثائق شهادة اليهودي التائه، فيتغير السارد إلى سارد ذاتي، يقر بما اقترفه من خطيئة و ما حصل له من عقوبة. ولكونه أدرك خطيئته استحق عقوبته. و في نزول العقوبة عليه في الدنيا، علامة على خلاصه.
تتعاطى هذه القصة أيضا مع الجريمة/الخطيئة و مفهوم العقاب، وهي إذاً امتداد -بشكل ما- للقصتين الأخريين لأكوتاغاوا، ما يجعلني أتسائل: ما دوافع سارد هذه القصة؟
تتصاعد دوافع السارد بخفية و سلاسة طوال السرد: في البدء، يُقدِّم اليهودي التائه كأسطورة وهمية، بل خرافة. ثم يتسائل عن مروره باليابان. ثم يصف مخطوطات توثق مروره، لكن يؤجل الحديث عن دقتها. ثم يتحدث على لسان اليهودي بطريقة تجعلك تشفق عليه، فيختم القصة على ذلك، متناسيا الحديث عن دقة المخطوطات.
لماذا يترافع السارد عن اليهودي التائه؟ هل من يحدثنا هو اليهودي التائه نفسه؟! ألم تلاحظوا قوله أنه أدرك خطيئته فنزل عليه العقاب الذي سيخلصه من ذنبه؟ و لماذا لا يكون قد أدرك خطيئته بعد أن رأى معجزة التيه، و حينئذ تكون عقوبته علامة لحرمانه من الخلاص؟!
لو كان من يحدثنا هو اليهودي التائه فإن له خبرة في سرد حكايته تفوق أعمارنا بأضعاف، تجعله قادرا على طمر دوافعه تحت ركام من التبريرات اللفظية. إن له دهرا في التيه يجعله قادرا على حبك حكايته و صقلها بطريقة تجعلنا نتقبل سرده و نتعاطف معه. و إلا من أين له كل تلك التفاصيل التي ذكرت في أول القصة عن رحلات اليهودي التائه؟!

إن استخدام السارد المريب -أو الراوي الغير موثوق بالاصطلاح النقدي- ليس أمرا جديدا و استثنائيا في السرد. إلا أن توظيف أكوتاغاوا للراوي المريب، هو توظيف عضوي لارتياب أكوتاغوا بالنفس البشرية و دوافعها. الراوي المريب هو الانعكاس على سطح البئر الذي تُظهره لنا النفس البشرية في قعره. في نظره، لا يمكن فهم ما يحدث في كيوتو دون فهم ما يحدث في الجانب المهمل و المهجور منها: راشومون. مثلما لا يمكن فهم دوافع الجرائم التي ترتكبها الجوارح و تبررها الألسن، دون فهم ما يحدث في الجانب المهمل و المهجور في النفس، و الذي توالت عليه النوازل و الأحداث حتى تصدع و تهتك مثل بوابة: راشومون. في تلك الغابة الملتوية من النفس البشرية، تكمن النوازع المعقدة كأدغال. برأيي أن أكوتاغوا يُربِّي فينا حس الارتياب بالإنسان، بينما يطور تكنيكه السردي في استخدام الراوي المريب. فقصة “اليهودي التائه” كتبها بعد “راشومون” و قبل “في غابة”، و كل هذه القصص يجمعها مُتّجه خفي. و أظن تقلباتها -أي قصة اليهودي التائه- السردية و الأسئلة المعلّقة بها، ما هي إلا تحريض على الارتياب بالقاص و الشخصية السردية لكي يتوصل القارئ للاشتباه الذي وصلت له. إن التنقيب النفسي الذي قام به أكوتاغاوا مدهش إذا عرفنا أنه مات قبل موت فرويد، و قبل تمظهر علم نفس الجريمة في الستينات من القرن الماضي.
إن أكوتاغاوا يحرضنا على الارتياب بالطبيعة الأخلاقية للإنسان و الشك في دوافعه السطحية، وإلا سنتفاجأ دائما بأفعال هذا الكائن الذي يخبئ في داخله الكثير من الوحشية. بدون هذا الارتياب، سنتفاجأ حينما تقرر إحداهن قتل الأطفال مللا من الإثنين الرتيب. سنتفاجأ حينما نعرف أن أحدهم أكمل قراءة رواية بجانب جثة للتو قتلها. و سنتفاجأ حينما يتقدم ١٣٤ شخصا للاعتراف بجريمة لم يفعلوها. بل سنتفاجأ، حينما نعرف أن أكوتاغاوا انتحر في الخامسة و الثلاثين و هو في عز مجده الأدبي، و بعد سنتين من التخطيط المنهجي.
ترك أكوتاغاوا رسالة “مذكّرة إلى رفيق قديم” بجانب جثته المثقلة بالحبوب المنومة، و هي مخطوطة تشريحية للذات يحاول بها توثيق دوافع انتحاره. يقول أنه ”يشعر بقلق غامض من المستقبل”، و يُقِّر أن عبارة كتلك تنطبق على الجميع و لكنها لا تدفعهم إلى الانتحار. يتحدث عن ارتيابه بتقارير الشرطة عن حوادث الانتحار، و التي تتحدث عن الديون أو الأزمات النفسية كدوافع للانتحار. و يقول أنه رغم محاولته تفسير اتخاذه هذا القرار، إلا أنه يشك أن أحدا من المنتحرين يستطيع على وجه الدقة معرفة الدوافع التي حركته. بإمكانكم الوصول إلى نسخة إنجليزية من رسالته، و تراودني أحيانا فكرة ترجمتها، فهي قطعة أدبية بحد ذاتها. لكنني ارتاب أن تقودنا قراءتها لنتيجة مختلفة. فمحاولتنا تتبع الدوافع النفسية المسرودة على لسانه، ستدخلنا في غابة لا يعلمها إلا الله.

طارق الجارد، ١٩ أغسطس ٢٠٢٠م، الرياض.

ـ—————————————————————————-

هامش: قرأت قصة “راشومون” و “في غابة” سابقا بترجمة كامل يوسف حسين، الصادرة عن دائرة الثقافة و الإعلام بالشارقة عام ٢٠٠٤م. و أعدت قراءتها بترجمة إنجليزية قبل كتابة هذا النص من “Rashomon and Other Stories” 2018 edition by Dead Authors Society.

أما قصة اليهودي التائه، فقرأتها من خلال ترجمة الأستاذ “ميسرة عفيفي” على مدونته. وأعدت قراءة مختزلات منها بالإنجليزية، لفهم أفضل للمصطلحات الدينية المسيحية، التي أميزها بالإنجليزية أفضل.

مالكي

محمد مالكي، ذو الحظ التعيس، الذي يتوسط جبهته خسف. عن قرب، و عن قرب فقط، أرى الخسف الكبير، لو امتلأ بقطرات العرق، بحيرةً تسمح للبط المهاجر بالراحة. لكن البط لن يلمح الخسف من علو، و مالكي لا يعرق أبدا. يقول أنه لم يعرق منذ أن رفسه البغل في جبهته. 

يمكن تلخيص حياة مالكي بسلسلة من الرفسات. على الأقل هو يتذكرها كذلك، فأول ذكرى له بدأت مع رفسة البغل التي شجّت جبهته في نواحي شيراز، قريبا من بحيرة مهارلو الموسمية. في تلك الأيام، لم يكن حول قريتهم طبيب، و لا يملك أبوه سوى أجرة غازل السجاد. خاط غازل السجاد جبهة مالكي المشجوجة، دون أن يرفع الخفس. لكنه أخفاه داخل منمنمة فارسية، تخفي الخفس في الشج، فلا ينكشف السحر إلا حينما تنظر إلى أثر الخيوط عن قرب. وهكذا كان مالكي، رغم الشج الذي يعلو حاجبيه، وضّاء الجبهة، لا ينافسها في ذلك إلا ابتسامته. أما إصبعه الوسطى المبتورة، فلا علاقة لها بتلك الرفسة، و لم ألاحظها حتى رأيته يرتدي القفازات في غرفة العمليات.

الرفسة الأخرى التي عرفت عنها، تلقاها في مونتريال. فحينما أنهى مالكي الطب من جامعة طهران، حصلت له فرصة الابتعاث إلى كندا. إن أمرا أكبر من يسراه ذات الوسطى المبتورة، كاد أن يبتر تدريبه في الجراحة. ففي منتصف تدريبه، قامت الثورة على الشاه، والزلزال الذي حصل في طهران وصلت ارتداداته لمونتريال. بُترت بعثته، و ما عاد يأمن العودة إلى بلاده. صارت حياته معلقة في الفضاء مثل طائرة الشاه، لا تعرف أين تهبط. إلا أن مالكي، ذا الجبهة الوضاءة و المتدرب المميز، قد شفعت له تلك الخصال. أشفق عليه أحد أساتذته و احتواه تحت جناه، فوفر له منحة و ساعده في الحصول على لجوء دائم في كندا، بينما كان الشاه يتقلب في أصقاع الدنيا، حتى قال عن حلفائه السابقين: “رموني كالفأر!”، قبل أن يفنى بالسرطان.

لا أحد يعرف سر الإصبع المبتورة إلا مالكي، و لم يخبرني عنها أحد قبلا، فتلك رفسة لا يتكلم عنها. أول مرة لاحظتها، لما علمني كيف أنثر عقد خيوط الجراحة بالأصابع وراء بعضها، حتى تصبح ظفيرة من صلب لا يمكن فكها. كان مالكي يناور بأصابعه بسرعة هائلة، بينما خواء القفاز في وسطاه المبتورة، يتطوح مثل قربة ملاكمة تتلقى ضربات محمد علي كلاي.

 مالكي صاحب أسرع يدين في الغرب المتوحش. و منذ أن علمني شيئا من سرعته، صار وقت إغلاق الجرح في عملياته مليئا بالتوتر الذي يسبق الصراع بين الأخيار و الأشرار في أفلام الكاوبوي. فبمجرد أن يطلب “الشريف: مالكي” خيوط الجراحة، و تفتح الممرضة درفتي باب غرفة العمليات معلنة وصولها، نبدأ أنا و مالكي بنثر العقد من أصابعنا كتناثر الرصاص من مزلاج المسدس، و يطمأن أهالي القرية أن الجميع سيذهب إلى بيته بأمان.

لا بد أن موظف وزارة الصحة في مقاطعة كويبيك متأثر بسخرية دانتي في “الكوميديا الإلهية”. فلا يرى أحدا من إيران جدير بالعمل في مكان يتناسب مع قدرته، حتى لو كان مالكي. يرى أن نزوح أحدهم من إيران خطيئة بحد ذاتها، تستدعي المرور بعذاب “المُطهِّر”، قبل الصعود إلى الفردوس المسمى مونتريال. فلما أنهى مالكي تدريبه، لم تعرض عليه وظيفة سوى في جحيم شيكوتومي.

شيكوتومي مدينة على ملتقى نهرين، في الأصل كانت مجرد منطقة لقبيلة من الهنود الحمر (و كل المدن الكندية -في الأصل- كانت كذلك). نزح الفرنسيون إلى ملتقى النهرين و حصروا سكانها الأصليين في محمية متطرفة من نهر شيكوتومي. حينما كانت مليئة بالسكان الأصليين كانت مهملة و محدودة الخدمات، تعتمد على الحواضر الأخرى التي طورتها الحكومة الكندية. و لما تكاثر الفرنسيون و صاروا أغلبية و أقامت الحكومة لهم منصب عُمَديّة، أرادوا أن يجلبوا كل الخدمات الصحية. وهكذا، كانت المدينة جاهزة في الوقت الذي تخرّج به مالكي، لاستقبال جراح الدماغ الواحد و الوحيد بها. قضى مالكي في جحيم شيكوتومي- أو بالأحرى زمهرير شيكوتومي- ستة سنوات. يتحدث مالكي عن ربيع شيراز كثيرا، ولا أظنه اكتسب هذه العادة إلا من استعادة ذكرياته في زمهرير شيكوتومي. كان يغطي كل الحالات الجراحية: كل ساعات اليوم، كل أيام الأسبوع، كل أيام السنة. لا يُعطى من الراحة إلا شهرا في السنة، و نهاية أسبوع واحدة في الشهر. بإحدى نهايات الأسبوع المُجاز بها، التجأ مالكي و زوجه -التي عرفها أيام كلية طب طهران- إلى كوخ في أحد المنتجعات الثلجية البعيدة عن شوكوتومي ما يقرب الساعة و نصف. كان مالكي يجيد التزلج على الثلج، و من المؤكد أن فكرة الهرب من رجلي الشرطة، اللذين كانا يلاحقانه بأعلى المنزلق الثلجي على مزلاجاتهما، قد راودته. فربما ظن أن أيام لجوئه في كندا انتهت لسبب ما، و قد أتوا لأخذه حينما زعقوا باسمه. ركب مالكي باستسلام في المقعد الخلفي لسيارة الشرطة أمام أعين نزلاء المنتجع.

بعد ساعة من ضجيج صفارة الشرطة المسرعة، نزل مالكي من المقعد الخلفية لسيارة الشرطة إلى مستشفى شيكوتومي، ليجري عملية على جمجمة شاب في غيبوبة بعد حادث. و عندما خرج، وجد رجلي الشرطة ينتظرانه ليعيداه إلى المنتجع. أعتقد أنهما لم يريدا أن يفوتا حكاية دورهما في إنقاذ الشاب على من كان في مطعم و حانة المنتجع تلك الليلة. و لا أعلم إن حصل ذلك أم لا، لكنني أفضل تصور أن أحد زبائن المنتجع قد تطوع بدفع فاتورة عشاء مالكي و زوجته، دون أن يعلما.

عاد مالكي إلى مونتريال، جراحا و معلما. وفي غضون سنة، صار أعلى الجراحين دخلا في كويبيك، بفضل قدرته على تحمل الأعمال الشاقة التي اكتسبها في ”المطهر”. في ذات الوقت، كانت كندا تستقبل الكثير من المتدربين من الخليج و السعودية تحديدا. كان مالكي معلما ممتازا، ودودا، و الأهم أنه كان يبدو الوحيد الذي يشفق علينا في تلك المدينة الموحشة، و كأننا امتداد لغربة شبابه. و على عكس الخواجات، كل سنة كان يدعو الأطباء المغتربين إلى أحد المطاعم الإيرانية الفاخرة على حسابه. و لذلك كان ينتابنا الكثير من الفضول عنه. العجيب أنك حينما تحب شخصا تجد نفسك تحاول معرفة القصص الحقيقية عنه، و حينما تبغض شخصا تجد نفسك مستعدا لتأليف القصص المكذوبة عنه. كنا نتسائل بيننا إن كان يعرف العربية؟ عن قصة الإصبع المقطوعة؟ إن كان يصلي؟ و في أيام الثورة الخضراء في إيران -والتي كانت حدثا مهما في الإعلام الكندي- إن كان مع النظام أو ضده؟. خمن أحدنا، أن كل الإيرانيين الذي لجأوا في الثمانينيات، كانوا إما من أتباع الشاه، أو ممن لم يعجبهم الوضع من بعده. و قال أحدهم أنه رآه على السي إن إن يعبر عن تضامنه مع المتظاهرين (بحثت عن هذا اللقاء فيما بعد، فلم أجد سوى لقاءا له في قناة كندية يتحدث بالفرنسية، و كانت فرنسيتي ضعيفة تلك الأيام). أما أنا، فتطوعت لاستقصاء إن كان يصلي أم لا. فلقد كنت أعمل معه في تلك الفترة أثناء شهر رمضان، و بدأ يثق بي ليتركني في العمليات لوحدي. و بدلا من أن أُرسل له الممرضة لتخبره بانتهاء عملية واستعدادنا للعملية التالية، أذهب لأباغته بنفسي، علّي أراه يصلي في مكتبه. سألوني فيما بعد، قلت لهم: ربما مالكي يجمع الصلوات إلى نهاية يوم العمليات الطويل. و ما أخبرتهم أنني رأيته يأكل!

من السهل أن تعبر بمالكي دون أن تراه شيئا. لا يثير الدهشة إن لم تعرفه عن قرب، و لا يتحدث أمام الأضواء لتعرف حياته المليئة بالأحداث. إنه النحلة الأكثر عملا في المملكة، و في النهاية، يُجيّر العسل كله للملكة. يتحدث الجميع عن أثر مالكي في تدريبنا بمودة، إلا أن أحدا لا يعترف بذلك علنا. فلا مكاسب حقيقية من التزلف له، بل ربما يغيض ذلك أقرانه من أساتذتنا. في منتصف تدريبي، بعد رؤيتي الطريقة التي تقاعد بها أحد أساتذتنا دون توديع لائق من زملائه، عرفت أن مالكي ابن شيراز، الذي يتوسط جبهته خسف، سيغيب من ذاكرتهم بسرعة رفسة بغل. و قبل حفل التدريب السنوي الذي يحضره كل الأساتذة، خضت حملة بين الطلاب لإعطاء جائزة “معلّم العام” لمالكي. فاز مالكي بأغلبية، و جمعنا من أموالنا لنشتري له هدية لائقة، و كتمنا السر. و حينما حان وقت التكريم، صعدت المنصة و ألقيت كلمة أطريت بها مالكي، تحدثت بها عن السر الذي لا يعرفه مالكي: أن كل الطلاب يثنون على مالكي من ورائه، ولكن لا يعلنون ذلك. و قد حان وقت إذاعة السر ليسمعه مالكي أمام الجميع. 

مالكي الذي لا يفوته الحفل على الإطلاق، لم يحضر التكريم و لم يسمع السر. لقد ماتت حماته تلك الليلة.

بعد شهر، عاد مالكي إلى العمل و عرف عن التكريم. لدي صورة لا أحب أن أنظر لها، نقف بها أنا و مالكي بهندام الجراحة المتعفر في زاوية رتيبة من المستشفى أقدم له الجائزة، مالكي بابتسامته الوضيئة و أنا بوجه بائس. كان مالكي سعيدا جدا بما سمعه عن ليلة التكريم، أما أنا فكنت أرى الليلة إحدى الرفسات التي اعتاد مالكي على تلقيها في حياته. 

في آخر سنة تدريبية لي معه، طلب مني مالكي طلبا غريبا في نهاية يوم الجراحة. ثمة شامة بدأت تكبر في ساقه و تزعجه حينما يمشي. و يريدني أن استأصلها له. قلت له أن من الأفضل، عرضها على طبيب جلدية ليرسلها للمختبر، فقد تكون شيئا خطيرا. لم يسمع لي و لم يعطني فرصة، كان قد جهز غرفة الجراحة الفارغة -سرا- بمساعدة الممرضة، لم يرد أن يزعج نفسه بأية بيروقراطية أو توثيق، كما يقول. و هناك استأصلتها بعناية دون ترك أية بقايا، مفكرا بإخفاء الندبة بطريقة لا يظهر أثرها، كبراعة غازل السجاد. يعرف مالكي أنني كنت أقصد السرطان حينما قلت شيئا خطيرا. لكنه لا يبالي، لقد اعتاد على تلقي الرفسات في حياته. أما أنا و الممرضة، فلقد بحثنا عن رقم ملفه، و أرسلنا الشامة إلى المختبر دون علمه. و لمدة أسبوعين، ظللت في قلق من أن يخسر مالكي حياته في الغربة -أو ربما أخسره أنا في الغربة- حتى اكتشفت أن النتيجة حميدة.

لمالكي جاذبية عجيبة لإصابات الجبهة الغريبة، أكسبته خبرة وثقة و جرأة في العمليات. لا أصدق أن مالكي لا يعرق منذ أن رفسه البغل، مالكي لا يعرق لأنه لا يخاف.
مرة، جاءه رجل بمسمار مغروس بجبهته، أطلق على رأسه مسدس المسامير لأنه: “لم يتحمل الصداع!”. من بعد أن انتزع مالكي المسمار من دماغه، لم يعد يشتكي من الصداع.
مرة، طعنت فتاة رفيقها بمفك براغي في جبهته. كان في غيبوبة، و مالكي أجرى عليه عملية و نجى. تقول أمه، أنه رجع تماما كما كان، إلا أنه صار يحب لعب الشطرنج التي لم يكن يلعبها قط، و أنها تريد علاجا يوقفه عن لعب الشطرنج.
و مرة أتانا بالعيادة رجل بندبة في جبهته، يقول أنه اكتسبها من قتال في حانة بعقب زجاجة البيرة المكسور، و أن طبيبا في عيادة صغيرة نظف الجرح و أغلقه. كان ذلك قبل شهر من زيارة العيادة، و قد أتى الآن بسبب نوبات الصرع التي تطرحه.
لا يمكن التعويل على أي شيء يقوله هذا الرجل المشاغب، يكفي أن تنظر لأنفه المدكوك و المعقوف، لتعرف أنه كثير الشجارات و المشاكل. كما أن له لكنة إيطالية في لغته الفرنسية تذكرني بالرجال المشبوهين في حي إيطاليا الصغرى. حينما أجرينا العملية له، و جدنا تحت الندبة رأس سكين ضخمة مغروسة في دماغه، و ما تبقى من السكين مقطوع بحد ناعم على مستوى الجمجمة كي لا يترك أثرا من الخارج.

جاءنا الرجل بعد شهر للعيادة مع أمه. كان سعيدا، يقول أن الصرع اختفى. و أنه استطاع العودة للعمل في مطعم أمه. أمه التي لا تتكلم سوى الإيطالية جاءت بهدية لمالكي و لي. وشاحين من الصوف، حاكتهما بنفسها. أخبرنا ابنها أنها تصر أن نزور مطعمها بإيطاليا الصغرى، فسنذوق به أفضل بيتزا و باستا. صحيح أنها تقضي وقتها بالمطعم بالحياكة و الخياطة، و لكنها تشرف على كل طبق بنفسها و كأنها طبخته. في تلك اللحظة، نظرنا أنا ومالكي لبعضنا بابتسامة، و فكرنا بذات الشيء في ذات الوقت:

دخل الابن إلى المطعم من الحجرة الخلفية ليلا، و في جبهته سكين مغروسة. ابن عمه الحداد، قص السكين على حد العظم (من الصعب تخيل الألم أو الشرار الذي نتج من ذلك، و لكن لنفترض أن الكثير منه حصل). ثم جاءت الأم لتحيك الجرح، ببراعة غازل سجاد شيرازي.

لن أقول إذا أجبنا الدعوة أنا و مالكي أم لا. كل ما أقدر على قوله، أن من الأفضل لأحدهم أن يكون في الجانب الحسن من المافيا.

طارق الجارد، ٢٤ أغسطس ٢٠٢٠، الرياض

السّاقي

السّاقي

لاحظ أن صوت سيارات الإسعاف مختلف، و لكن لم يلاحظ ما الاختلاف، حتى انتبه لكل ما تغير في مدينته.

من شقته في الدور العاشر، يجلس على حافة نافذته المفتوحة يشرب القهوة و ينثر رماد سيجارة الصباح على الشارع. بالعادة، يتجنب ذلك حتى لا يدخل في شجار مع المارة حادي النظر، إلا أن الشارع خال على غير ما اعتادته المدينة في هذه الساعة. انتبه أنه يجلس متطرفا بجسمه على الحافة، و انتبه أنه لا يبالي بالسقوط كثيرا. و اكتشف أن مذاق سيجارته أصفى، ما عادت أبخرة المدينة تلوثه. و فكّر كم هو جميل صفاء هواء المدينة، حتى تخيل نفسه يقفز وفمه مفتوح ليعبّ من هواء المدينة قدر ما أمكن. و مع الكثير من التركيز، اكتشف أن صوت سيارات الإسعاف لم يتغير، لكنه اكتشف أنه لم يسمعه قط دون أن يكون مختلطا بصوت منبهات سيارات التاكسي، و وقع أقدام العابرين و العابرات على عجل. دون أن يكون ممزوجا بنداءات بائعي الهوت دوق و الكباب، و صوت بائعي تذاكر الجولات السياحية و مروجي العروض المسرحية و الكوميدية. دون تحذيرات رجل يلبس ذات الطبقات من المعاطف طوال فصول السنة و يحمل لوحة تعلن اقتراب نهاية العالم و عودة المسيح، أو أصوات شجارات بين المتشردين و الشرطة و المتسكعين. اكتشف أن تحت كل هذا الركام من الصخب، هناك صوت واحد و وحيد لا يتوقف، حتى لو تعطلت الحياة في نيويورك و أُخليت الشوارع: صوت سيارات الطوارئ. و لو جَلَست نيويورك على طاولة حانته لتثمل و تحدثه عن يومها، لتكلمت بصوت سيارة إسعاف!

إلا أن نيويورك لا تملك فسحة من الوقت لتثمل. إنها مشغولة بالحمى التي تصيب أحياءها، و تنثر الموت في بيوتها، حتى فقدت الشهية. يتأمل من شقته مطاردة رجال الشرطة للوباء، و الذي بدا مراوغا و عصيا على الحصار كشبح، من كل ما عرفته المدينة من أخطار: عصابات الكوكايين في الثمانينات، انتفاضات الشغب العرقية بمرتفعات كراون، الأعمال الإرهابية و الخلايا النائمة، و احتجاجات “احتلوا وال ستريت”. يرى عجزهم عن القبض على الوباء في الشوارع رغم القواطع التي ينصبوها، رغم رجال الشرطة الراجلين الذين يمشطون المدينة بحثا عن المرض في عيون العابرين، و رغم المحلات -الغير ضرورية- التي تأكدوا من إغلاقها، و من بينهم الحانة التي يعمل بها. يفكر كيف أن نيويورك لا تختلف عن منصة حانته كثيرا، إنها مستعدة لاستقبال أي ضيف مهما كان ثقيلا على النفس، و سماع ما يقوله. في كل سنة، تستقبل نيويورك كل رؤساء العالم في هيئة الأمم المتحدة، حتى الذين تبغضهم أمريكا، و على منصة الهيئة استقبلت: تشي غيفارا و القذافي. لكن كل خبرتها في تأمين المدينة و استيعاب منشآتها، لم تؤهل نيويورك و لا حانته، لاستقبال ضيف ثقيل الوطأة حتى الموت، مثل الوباء.

و لما وصل لهيب السيجارة إلى عقبها، انتهت رغبته بالإطلال على المدينة. فشهيته للملذات انتهت لما تخيل لهيب العطالة يصل إلى عقب أمواله. عاد إلى الصالة، و فتح اليوتيوب لمشاهدة وثائقي قديم يسجل شهادات الناجين من الإنفلونزا الإسبانية، علّه يجد في الماضي مخرجا للمتاهة التي يخوض فيها. اكتشف أن الناجين لما رأوا الوباء يحاصرهم في البيوت، لم يستطيعوا العودة للحياة المعتادة، لأكثر من سنتين. لم يعودوا يجرؤون على الخروج للحدائق، و مباريات البايسبول، و الكرنفالات، و لا يملكون ما يكفي من المال للاستمتاع بها. سمع أن كثرة الموتى، تعقبها كثرة في المتسولين و المتبطلين الذين يطرقوا الأبواب. و اكتشف أن معظم من نجا من الوباء لم ينج من اليتم، فمعظم الشهود كانوا صغارا أيام الوباء، واضطروا للانتقال إلى بيوت الأقارب و ملاجئ الأيتام. لسبب ما، كان في تلك المعرفة شيء من الطمأنينة. لقد أحس بشيء من الارتياح حينما تذكر أن والديه قد توفيا قبل الوباء بزمن. أما من نجا من الكبار- وهؤلاء لم يعودوا موجودين ليقدموا شهاداتهم- فقد هاجروا بحثا عن لقمة العيش إلى بلدات أخرى، فحتى الميراث الكبير الذي اكتسبوه من موت معظم أقاربهم، لم تعد له قيمة في غياب الأشغال. 

قاطعه اتصال من أحد أصحابه يخبره أن الحكومة الفيدرالية قد أنشأت موقعا لتسجيل العاطلين عن العمل، و أنه من الأفضل أن يجرب التسجيل فيه، فلقد وعدت بإرسال شيكات شهرية مقطوعة أثناء الجائحة للعاطلين. ظل يحاول في الموقع الذي كان بطيئا من سيل المتقدمين عليه. و حينما سجّل، اكتشف أن الشروط لا تنطبق عليه. فهو لم يطرد من العمل، بل لا زال معلقا عن العمل بدون راتب، مع وعد من صاحب الحانة بإعادته متى سمحت المدينة بفتحها. و مواعيد الوباء -كما يعلم الجميع- لا  قيمة لها مهما صدق قاطعوها. و بدأ يفكر بمقولة حاكم الولاية السيد كومو:”من يخشى على رزقه في الجائحة، فليبحث عن وظيفة ضرورية، لا يمكن الاستغناء عنها!” 

حينما بدأت تغيب الشمس، وقف عند النافذة ينتظر عودة جاره من عمله -الذي لا يمكن الاستغناء عنه- كحانوتي. بمعنى ما، تذكّره انتظاراته تلك، بأيام الأحد لما كان طفلا، ينتظر عند النافذة قدوم سيارة الآيسكريم.

يعرف الحانوتي منذ فترة، من الحانة. و لكن لم يعرف أنهما جاران حتى حلت الجائحة، و بدأت العمارة تلاحظ -بحسد- أصحاب الأعمال الضرورية، الذين لم يكن يلاحظهم أحد. و الحقيقة أن الحانوتي كان بارعا في الخروج خلسة مبكرا و العودة خفية متأخرا، كرجل لا يريد أن يكدر على الناس حياتهم، و من الأحرى لهم أن لا يلتقوه إلا مرة واحدة. فلم يلاحظه أحد من الجيران حتى أصاب الفيروس رئة نيويورك.  

في الحانة، الكل يتحدث مهما كان كتوما، و الساقي يسمع مهما كان ضيق النفس. الاعترافات عند الساقي أكثر جرأة من الاعترافات عند الشرطي، في حجرة الاعترافات عند القس، على أريكة الطبيب النفسي، أو على صدر الحبيبة. و على منصة الحانة قبل شهور عديدة، أخبر الحانوتي الكتوم الساقي عن عمله في تجهيز جثث الموتى و دفنهم. اليوم، لا ساقي بنيويورك ينصت لاعترافات و أحزان أهلها. وحينما تختنق نيويورك بأسرارها و دموعها الميتة في الوباء، لا تجد أحدا تعترف له سوى الحانوتي، الذي يبدو الوحيد القادر على حمل همومها المُمِييتة و رثائها. 

و قبل بضعة أسابيع، كان الساقي يدخن أمام العمارة عند الغروب، فانتبه أن الحانوتي يسند ظهره إلى جدار العمارة، مّسدِلا قناعه على صدره ليتمكن من  تدخين سيجارته الأخيرة، قبل أن يصعد إلى شقته. فاقترب منه ليتحدث معه في هذه الأيام الوحيدة و المملة، و ألقى التحية. أجابه الحانوتي، و قد تمكن من معرفته بدوه، و أشار عليه ألا يقترب أكثر و يترك مسافة من الحذر. و بدآ يتحدثان على مسافة فيروس بحجم وحش خفي عرضه ٦ أقدام. ليكتشفا أنهما جاران.

كان للحانوتي تحفظاته، إلا أن الساقي أصر أن يجتمعا كل غروب للتدخين أمام العمارة، حينما يعود من عمله. الحانوتي أخبره أكثر من مرة، أنه يحمل على ظهره كل يوم الكثير من ضحايا الوباء، و  يخشى أن ينقل له الفيروس. لكنه في الأخير نزل عند رغبة الساقي. و صار ذاك اللقاء اليومي، أكثر ما يتوق له الساقي في أيام الحجر. كل ما يقوله الأطباء و الساسة لا معنى له بالنسبة للساقي، إن الخبير الفعلي في هذه الأيام هو الحانوتي، ففقرات ظهره هي الوحيدة القادرة على إحصاء الوطأة الحقيقية للوباء. و اعترافات الحانوتي له عن عمله كل سيجارة، كافية لمعرفة الاتجاه الغادر للوباء. لقد أثار دهشته كثيرا كيف لم يصب الحانوتي بالمرض، طوال هذه الفترة. 

ثمة إعجاب ينتاب الساقي بالحانوتي الذي يبدو قويا مثل عقرب. العقرب ضئيلة و خفية، ولا تظهر حتى يقلب أحدهم حجارة المدن و نواحيها ليحفر، لكنها تحمل الموت فوق ظهرها، دون أن تتسمم به. كان يشعر بأن الحانوتي لديه مناعة من الوباء المميت، ولا يخشى الاقتراب منه رغم تحذيراته. و لذلك كانت يداه ترتعش من نشوة المخاطرة و هو يشعل سيجارة الحانوتي، عندما تعطلت ولّاعته. النجاة بالنسبة للساقي، أن يتابع كل تفاصيل يوم الحانوتي و حياته و يقلّدها. متى يذهب للسوبر ماركت؟ و ماذا يخزن من الطعام و المطهرات؟ متى يذهب للصرافة و يسحب أمواله؟! الحانوتي هو المرصد الذي يمكنه رؤية نيزك الموت قبل أن يرتطم بالمدينة، و الوحيد الذي سيمتلك ثبات العاطفة للتعامل مع الكارثة، فإن كان الموت نهاية العيش للجميع، فإن الموت هو عيشه. و كم تمنى الساقي لو تعلم مهنة الحانوتي قبلا، فلن يتهمه أحد بأن مهنته غير ضرورية، و سيجد طريقة لكسب العيش من الموت!

أنهى سيجارته مع الحانوتي و عاد إلى وحدة شقته. هذه الأيام لا يخشى الموت، بل يخشى الموت وحيدا. إن مات في هذا الوباء لن يكون بجانبه أحد، و لن يدرك موته أحد إلا الحانوتي. منذ أن توفى والديه بأول العشرينات- أمه تبعت أباه بسنة- وهو يعيش وحيدا، ليس له سوى أخت غير شقيقة لا يعرف أين تعيش في السنوات الخمس الأخيرة. و ها هو يقترب من نهاية العشرينات دون أن تكون له رفيقة دائمة. كل الأشياء صارت غير مهمة منذ أن حلت الجائحة، لا تستوجب الحسرة. إلا شيئين: أنه لم يتعلم الحانوتية، و أنه بلا رفيقة. يعجز عن النوم، يؤرقه الموت وحيدا. بالسابق كان يكفي أن يٌكثر من البيرة (وهذه صارت مكلفة) أو يستمني ليجلب النوم (وهذا لم يعد مستساغا مع التفكير بالموت وحيدا). تذكّر سماعه -بلا قصد- حديث رجلين على منضدة الحانة، أحدهم يبكي و هو يحدث رفيقه، لأنه لم يتمكن من حضور وفاة أمه المصابة بالسرطان، و سماع كلماتها الأخيرة. كيف أن لكل واحد من إخوته الثلاثة رواية عن كلماتها المقطّعة الأخيرة، متشابهة و لكن ليست متماثلة. و في يوم التأبين و العزاء، كلما سمع إخوته يحدثوا الآخرين عن لحظاتها الأخيرة، تباينت رواياتهم و صارت كلمات أمهم أكثر وقارا و صقلا مع كل رواية، حتى لم يعد يثق بأي شيء يقولوه. رفيقه أراد تعزيته، فأخبره أنه لا يمكن لذاكرة بشرية أن تسجل اللحظات الأخيرة لأحدهم، لأنها تسجل في ذات الوقت مشاهدتها لفاجعة الموت. إن هذا أمر لا تطيقه سوى آلة لا تُكِنّ للموت أو الموتى أية مشاعر. و حدّثه أنه وقع ذات مرة على مقطع يوتيوب يجمع الأصوات الأخيرة في قمرة القيادة، التي سجلها الصندوق الأسود لعدة حوادث طائرات قاتلة، و أن الكلمات التي سمعها لا تشبه أي شيء سمعه أو قرأه عن كلمات الموتى الأخيرة.

استلقى الساقي على سريره و بحث في اليوتيوب عن المقطع، حتى وجده و استمع له للآخر. ثم أغلق جهازه المحمول و تمدد في وضعيته المفضلة للنوم، مستغرقا في أحلام يقظة يرى بها أن جهاز التنفس الاصطناعي مجرد صندوق أسود، سيسجل أفكاره و أحاديثه العقلية لو مرض ومات وحيدا. حتى اطمأن و نام.

طارق الجارد، أغسطس ٢٠٢٠، الرياض.

قلعة لا اسم لها

قلعة لا اسم لها

يحكى أن حربا قامت بين مهراجا إمبراطورية غوبتا و كسرى الإمبراطورية الساسانية.

و لماذا يحكى؟!

إن ذلك العالم القديم لم يعرف السلم قط، و الطريقة الوحيدة لتحمي وكر الصقور الذي تحكمه، أن تجعل أطراف عشك مشتعلة، تحرق كل من حاول الاقتراب منها. و لذلك لنقل، أن الحرب التي لا يتذكر أحد متى بدأت بين الهند و فارس، و لا يعلم الجنود ما نهايتها، ما زالت تصطلي معاركها في القرى والقلاع التي تعيش في الهامش الضيق بين حجري رحى الإمبراطوريتين، و اللذين يدوران على بعضهما، بوهم أزلي و لا نهائي.

و هكذا حينما ضرب طاعون جستنيان جنود الإمبراطوريتين، تفاءل الجنود بانتهاء الحرب، و العودة إلى بيوتهم لتذوق طعم السلم. بيد أنه زاد من اشتعال الحرب، خصوصا حينما قضى الوباء على خراج و محاصيل المدن المحيطة بالعاصمتين. و بقت قلعة وحيدة على الحد بين الإمبراطورتين، و تحديدا على نهر السند، مثل زمردة لم تتلوث بالطاعون. للقلعة التي بنيت حول تفريعة من النهر، فصارت قادرة على الاكتفاء بمائها و جناتها و إغلاق أبوابها في وجه الطاعون، اسمٌ لم يعد مهما من أجل هذه الحكاية. اسمها سيكون علما مهمّا، لو أن إحدى الإمبراطوريتين قد تمكنت منها. فمجرى التاريخ سيتغير كما تتغير مجاري الأنهار بالنوازل الإلهية و الأعمال البشرية، فتتشعب أو تتجمع أو تندثر. يمكن رؤية الجيشين المنهكين المتحاربين على ضفتي النهر خارج القلعة و من أجلها، في هيئة رجلين مخمورين يتعاركان -بطريقة مثيرة للشفقة- خارج حانة، على من يظفر بفتاة داخلها، لم يعلما أنها قد حسمت أمرها ألا تهب نفسها لأحدهما!

يقاوم البشر الرتابة بالعبث مع الموت، حتى إن تيقنوا أنهم لا يملكون شيئا أمامه، هربوا من طريقه. أولئك الذين يعيشون على ضفاف النهر، أو يتخذون مدنا على سفوح البراكين الخاملة، ما يلبثون أن يفزعوا من الموت إن فاض النهر أو البركان. بدت الحرب -التي كانت شيئا عظيما للإمبراطوريتين- محض لعبة تافهة مع الموت، حينما زارهما الموت متوشحا بالوباء. فاضطر الجيشين للعودة حينما انقطعت الإمدادات، و خشي المهراجا و كسرى من قيام فتن و ثورات. لقد حصد الموت الأرواح و المحاصيل في نواحيهما، و لم يبق سوى جوعى ليس لديهم الكثير ليخسروه. إلا أن كليهما لم يرد التخلي عن القلعة التي لا اسم لها رغم عجز جيوشهما. فالظفر بخراج و حامية القلعة التي لم يمر عليهما منجل الطاعون، كفيل بحل مأزقيهما. و مهابة رجحان كفة إحدى الإمبراطوريتين على الأخرى، قررا إرسال وزيريهما للتفاوض على الحدود في أمر القلعة، بدلا من تركها فريسة للآخر.

عاد الوزيرين لحاكميهما بمقترح، و لتسهيل حكاية هذه القصة سنرويها باقتفاء أثر وزير المهراجا فقط.
لوزير المهراجا اسم باللغة السنسكريتية لم يندثر كاسم القلعة، و أقرب طريقة لنطقه بالعربية “ل غ ه”. هكذا تحدث الوزير “ل غ ه” عند المهراجا:

“كان واضحا لكلينا من حاشيتينا- ونحن نتفاوض أمام القلعة- أننا لا نملك ما يكفي لاستدامة الحرب على الجبهة، و لكنني لم أرد أن أقره على ذلك. حدثته عن أهمية ألا تضيع المزيد من أرواح الجنود في هذه الحرب، و من المهم أيضا أن نحمي القلعة من الطاعون و نستفيد من مواردها في مجابهة الطاعون. قلت له: من الواضح أن تقاسم خراج القلعة هو الحل الأفضل. و لكن هذا الخيار لن يكون مقبولا لعظمتكم بعد كل التضحيات التي قدمها جنودنا، و لا أظنه يكون مقبولا لكسرى أيضا. و لأجل هذا اقترحت حسم أمر القلعة بدون خسائر إضافية للأرواح. فلنخوض حربا على خريطة، أو لنلعب معركة على رقعة!

حينما قلت له ذلك، ابتسم و طلب من حاشيته جلب الطاولة و النرد. أخبرته أنني أجيد لعب الطاولة أيضا و لا أشك في نزاهة النرد الذي جلبه، إلا أنه لا يليق بعظيمين مثل المهراجا و كسرى ترك الحظوظ تحركهما كما تفعل بالعوام، و من الأجدر تحكيم عقولنا و عقلاءنا في أمر القلعة و حسم أمرها بمباراة شطرنج. أنا لاعب ممتاز و لا أشك أنه كذلك، و لكن كلانا لن يبلغ بدهائه دهاء سيده، و لا يستطيع التحرك في الأرض أو في رقعة الشطرنج إلا بأمر من عقل سيده. فليعد كل واحد منا إلى سيده بهذا المقترح، و لتكن كل نقلة على الشطرنج بلقاء آخر هنا، فلا أريد للمهراجا أن يلعب مع أقل من كسرى، و لا أريد لأحدنا التراجع عن خطوته لأن سيده لم يقره عليها، حتى لا نرتاب أنه زعم ذلك لما رأى هزيمته. و لا تخشى من طول اللعبة، فالمباراة مهما طالت لن تتجاوز ما طالته الحرب، و لا ما سيطاله الوباء.

و اعلم سيدي المهراجا أنني التمست أن سيده سيقبل بذلك، و لو أذنت باللعب معهم -بعد التشاور معك و مع أفضل اللاعبين في بلاطك- لإمّا غلبناهم، أو انتهى الطاعون قبل أن يغلبونا. و لي طلب بسيط إذا فعلت: لقد أذن لي بالنقلة الأولى بذريعة أنني صاحب الفكرة، بيد أنني أخشى أنه لم يخاف المباراة كما لم يخاف الحاشية التي جئت بها. و أقترح أن تجهزني بحاشية بها فيلين من عظيم فيلتك، و بعض من الجند و المال. فمهما كان ذلك مكلفا علينا في هذه الأيام، فهو كفيل بزرع الرعب في كسرى و ردعه”.

عجب المهراجا من اقتراح وزيره و وافق عليه. فبدأت اللعبة التي كانت نقلاتها أكثر من مجرد رحلة لمباراة، بل حملة استطلاعية يستكشف فيها الوزير أحوال الإمبراطورية في أيام الطاعون، و ينقل أخبارها للمهراجا -الذي قرر اعتزال الناس و الحاشية في جزء من قلعته- كما ينقل نقلاتها. و يحرك حجارتها كما يحرك شؤون قرى و نواحي الإمبراطورية بأمره. في أول نقلة، أخبر الوزير المهراجا أنه من حسن الحظ أنه جهزه بحاشية و فيلة، فلقد تأخر عليه لأنه اضطر لتأديب قرية متمردة في أطراف الدولة. في النقلة الثانية، أخبره أن الطاعون قد قضى على أحد الولاة و عددا لا بأس به من جنود الحاميات في القرى المجاورة، و أن الجوع و الإشاعات قد أغرت بعض الجهلة بالثورة فيها. و اقترح عليه، كما اقترح النقلة الثانية، جلب معظم الجيش نحو العاصمة لحمايتها، و استخدام فرقا منه في حملات لإخماد الثورات، مرواحا و مجيئا، كل ما استدعى الأمر. و مع مرور النقلات، أخبره أن حملات الجيش قد جلبت الوباء للعاصمة، و الطاعون أصاب بعض حراس القلعة كما خشي، و لذلك كان قد انتخب ثلاثة من الحراس -قبل نقلته الأخيرة- ليعتزلوا الحاشية و الناس طوال رحلته. و لمّا عاد و وجدهم أصحاء، فإنه يرى أن من الأفضل للمهراجا أن يبيت في البرج العالي من القلعة، و الذي قد نهى الحرس و الحاشية و الخدم من دخوله، فهو أنقى هواءاً. و لعله أطهر ما في القلعة التي بدأ يجول فيها الطاعون. و سيتناوب الحراس الثلاثة على حمايته و خدمته، و هو يعتزل هناك مع رقعة الشطرنج، يدير معركة القلعة التي لا اسم لها و شؤون الإمبراطورية من خلال وزيره الذي لا يمانع التضحية و الخوض بين الطاعون لأجل سيده.

في برج القلعة الحصين و المنيع، حيث لا يدخل عليه سوى الطعام، و لا يتكلم إلا مع الحراس و الوزير متى جاء، عبر نافذة ضيقة في باب البرج مستورة بحجاب شفيف، تسنى للمهراجا الكثير من الوقت للتفكير أمام رقعة الشطرنج. كان لا يفكر في نقلاته فحسب، بل يفكر في نقلات كسرى أيضا. كلما يفكر في خطوة، يفكر أن كسرى يعلم بها. ثم يفكر أن كسرى يعلم أن المهراجا يعلم بما يعلم، في متوالية تبدو لانهائية مثل الحرب بينهما. ثم يعود يفكر بذات الخطوة، ويخمن أن كسرى لا يعلم بها، أو ربما يعلم بها و لكن لا يعلم أن المهراجا يعلم، في متوالية أخرى تبدو لانهائية. ولا يبتر تلك المتواليات إلا النقلة الأخرى التي تحدث. و يفكر أيضا في إمبراطوريته و إمبراطورية كسرى. المهراجا يعلم حدوده و جنوده، و يعلم حدود و جنود خصمه حينما بدأت الحرب، تماما مثلما يعلمان مربعات الرقعة و أحجارها لما بدأت اللعبة. و بعد اجتياح الطاعون الإمبراطوريتين، تعذرت رؤية البلاد و أصبحت مثل الوباء، يمكن رؤية أثره فقط. يمكن للمهراجا تخمين ما يحصل من حوادث في بلاد كسرى كما يخمن نقلاته. و لكنه لن يعرف إلا متأخرا، بعد أن يكون أثرها قد ظهر، كما تظهر النقلة الأخرى على رقعة الشطرنج. فقبل ذلك تظل الاحتمالات اللانهائية -التي بعضها قاتل أو ربما رتيب- متاحة حتى تنكشف. من الوارد أن يكون الطاعون قد اختفى من فارس، و أن كسرى الآن في طريقه بجيش جرار نحو قلعته. من المحتمل، أن كسرى مشغول بإخماد الثورات في بلاده. و من الممكن، أن الوباء قد ضرب عاصمته و أنه يعتزل أيضا في برج عالٍ مع ثلاثة من الحراس.

لم يكن مخطئا المهراجا في تخميناته، فاتسعاها سيجعل أحدها صحيحا. في أول مرة التقى الوزيران أمام القلعة التي لا اسم لها، رأى الوزير “ل غ ه” الطمع في عيني ترجمان وزير كسرى.  فلما عاد بالفيلين و الجند، استطاعوا أن يقتلوا بالرماح وزير كسرى قبل أن يترجل من حصانه، و يفتكوا ببقية حاشيته، مبقين على الترجمان. و بعد أن تحدث الوزير “ل غ ه” مع الترجمان و أغواه بالمال، أدرك أن ما رآه أول مرة في عين الترجمان ليس الطمع، بل انعكاس صورته!

صار الترجمان ينقل الأخبار -التي ينسجها الوزير” ل غ ه” – لكسرى كما ينقل نقلات الشطرنج. فحينما عاد، أخبر كسرى أن وزيره و الحاشية كلها ماتت بالطاعون في طريق عودتهم و لم ينج غيره. و من الأفضل أن يخفي ذلك عن وزير المهراجا و يكملون مباراة الشطرنج التي بدأت، و إلا فستسقط القلعة التي لا اسم لها بيد المهراجا. و في استراحته بإحدى القرى أثناء رجوعه، رأى تململ حاميتها من انقطاع ما يجيئهم من العاصمة بسبب الطاعون و خشي تخاذلهم، فمدهم بالفائض من المال و المؤونة التي تبقت معه بسبب موت الوزير و حاشيته، و أخبرهم أنها من كسرى، و أنهم ينقلون لكسرى شكرهم و ولاءهم. وهو في طاعة كسرى إذا أراد أن يكمل المباراة التي بدأت عند القلعة التي لا اسم لها، و ينقل أحوال البلاد حينما يعود.

 وزير المهراجا يعرف أن من يتحكم بالأخبار يتحكم بالبلاد.  فلقد كانت تلك القصة كافية لكسب ثقة كسرى، و ترقية الترجمان لينوب عن الوزير في تلك الرحلات و يستمر في نقل الأخبار. وشيئا فشيئا، استمر الوزير “ل غ ه” باختراع الأخبار التي ينقلها الترجمان مع نقلات الشطرنج، حتى انتهى إلى حبس كسرى في برج من قلعته كما حبس المهراجا في برج من قلعته، ليلعبان مباراة شطرنج وهمية، بينما يحكم الوزير “ل غ ه” الإمبراطوريتين طوال فترة الطاعون!

لماذا نحكي حكاية من قبل ما يقرب من ألف عام و خمسة قرون؟  لماذا تندثر بعض الاسماء و تبقى بعض الأسماء؟

الحكايا و الأسماء، تبقى ما بقيت غايتها، و تنطمس ما انتهت أسبابها. و أحيانا، تندثر ثم نعيد اكتشافها و اختراعها لأن هناك شيء تقوله لم يقال.

أنا الآن أكتب هذا النص من أعلى مكان في جسدي و أكثره حصانة و منعة: من رأسي. هناك عقل محبوس في ذاك البرج يحاول أن يعبر عن أفكاره، و ينتقي كلماته مثل ملك حبيس ينتقي نقلاته. في مكان آخر، هناك قارئ له عقل محبوس في أعلى مكان من جسده يفكر. أحاول تخمين أثر كلماتي في أفكاره، و يحاول تخمين أفكاري من كلماتي. لكن أحدنا لا يعلم يقينا ما يفكر به الآخر. كلانا لا يحكم الأفكار بعقل الآخر، و لا يعرف يقينا ماذا تنقل الكلمات من أفكار. كل ما نعلم، أن بيننا وزير يحكم العالم الممتد بين عقولنا.

  طارق الجارد، ١٩ يوليو ٢٠٢٠، الرياض

أنشئ موقعًا مجانيًّا على الويب باستخدام وردبرس.كوم
ابدأ