على الطريق الممتدة بين ضباء وتبوك، تتغير التضاريس المدهشة مع تغير أغاني الكاسيت. من البحر والوديان، إلى الجبال السوداء والحمراء، إلى الرمال متغيرة الألوان. ما كنت أعرف أن تلك الأغاني الإنجليزية التي يشغلها أبي في طريقنا الشهري المعتاد ذاك هي أغاني البيتلز. حتى درست الإنجليزية في كامبردج صيفا، وسمعت أغاني البيتلز. لأدرك أن تلك الأغاني مألوفة مثل درب شهري معتاد كنا نختطه أنا و والدي. عادة اكتسبها من دراسته اللغة في بليموث، وورثتها منه بعد دراستي بكامبردج واسترجاعي لذكريات الطريق مع كل أغنية سمعتها للبيتلز في بريطانيا.
كانت الطريق متنوعة ومدهشة لا تمل، تتمايز في تربتها كتمايز أعضاء فرقة البيتلز، و تتباين في نعومتها وحدتها كألحان أغاني البيتلز. والحقيقة أن لذلك الطريق ألحانا متعددة، فللريح فيه صوت مميز، يتموج عبر التضاريس وهو ينحتها، ويغير أشكالها عبر القرون. وما كنت أعرف أن تلك التضاريس قد قُدّت من ذات الجغرافيا المشابهة والساحرة التي ظهرت في عمل فني إنجليزي آخر، إلى أن شاهدت التحفة السينمائية “Lowrance of Arabia”.
لا يطور الإنسان حياته إلا متى خاف عليها، أو أراد الفتك بخصومه. فمن بدّ كل مسرعات القفزات التقنية، كانت الحروب هي المعجِّل الأعظم. اخترع الإنسان الصاروخ لقتل خصومه، ثم صعد به إلى القمر بعد الحرب. اخترع الإنسان المحرك النفاث لقصف المدن بقاذفات القنابل، ثم استخدمه للسفر بعد الحرب. شطر الإنسان الذرة ليبيد المدن، ثم بعد نهاية الحرب شطرها كي يُنير المدن. وطور الراديو ليبث دعاية الحرب بين الجماهير، ثم جعله في السلم أداة لبث الموسيقى وتسلية الناس. وفي الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الراجمات تقصف الرؤوس والوجوه المحبوسة في الخنادق، تطورت جراحات ترميم الوجه لتصبح علاجا لضحايا السرطان لاحقا. كما أن أغرب أسرار الحرب العالمية الثانية -وأزعم أنه أهمها- كان اكتشاف البنسيلين. كتم الحلفاء اكتشافهم للبنسيلين، كي يعالجوا جرحاهم بهذا المضاد، بينما يموت جنود دول المحور من جراحهم. إن عرفت ذلك، ستدرك كيف أن من الغريب والنادر أن يكون لأغاني البيتلز دورا مهما في تطوير الطب. دورا لا يَرِد إلا من تلك الفترة النادرة والاستثنائية التي كان دعاة السلام العالمي فيها أصخب من دعاة الحرب. في الستينات، كانت أغاني البيتلز تنتشر حول العالم، وتتداول كأنها نشيد غير رسمي لحركات السلم والتحرر العالمية. وكان أعضاؤها رمزا لحركات السلام، وأبرزهم “جون لينون”.
عموما، كان أثر تلك الأغاني أبعد مما نتخيل من أغنية. وإلا فكيف وصلت لأبي في حقبة لاحقة، ونقلها معه لطريق نائية. ثم وصلت لي عن طريقه، وعادت لي عن طريق أخرى، هي الطب.
كانت شركة Electric and Music Industries تعاني من ديون هائلة وتوشك على الإفلاس. فكل الدعم الحكومي الذي جاءها أيام الحرب لتطوير الرادارات والراصدات الكهربائية قد توقف. كما أن الدمار الذي تبع الحرب قد أنهك الناس، وأجبرهم التقشف على التوقف عن شراء الغراموفونات التي كانت منتج الشركة الأصلي قبل الحرب. كانت شركة EMI متخصصة بالأصل في صناعة الغراموفونات الموسيقية والمنتجات الكهربائية المدنية. وحين أتت الحرب ابتلعت كل الأنشطة المدنية، وأُقسرت الشركة على توجيه مهندسيها ومبتكريها لمجهودات الحرب. والدعم الحكومي الذي أثرى الشركة أيام الحرب، أفلسها بعد الحرب. فالحرب توقد كل شيء تلمسه، وتذروه رمادا عندما تنطفئ. ثم جاءت مجموعة من الفتيان ذوي قصات الشعر الغريبة، خرجت من المجهول مثل التحف العجيبة التي تصادفها في “سوق البراغيث”*، لتؤلف أغانٍ وألحان جذابة وفاتنة. وقد أسمت فرقتها The Beatles؛ الخنافس!
تلك المجموعة من الفتيان وقّعت مع الشركة حقوق توزيع أقراص ألبوماتها موسيقاها. وبسرعة انتشلت نجاحات تلك الفرقة شركة EMI من الهاوية والإفلاس.
بالتوازي مع نجاحات الفرقة وقُبيلها، كان هناك مهندس اسمه هاونسفيلد، قد أوكلت له الشركة أيام الحرب مهمة مملة يكرهها؛ صناعة راجمة صواريخ موجهة بالرادار.
بنهاية الحرب أُوقف المشروع، وانشغل ذلك المهندس بفكرة جذابة له أكثر:
بدلا من أن نوجه الرادار ناحية الأجساد لقتلها، بإمكاننا أن نوجه الإشعاع السيني نحو الجسد لأخذ صورة تشريحية له دون انتهاك حرمته. بإمكاننا جعل مصدر الإشعاع يطوف حول الرأس مثلا، ويصوره من كل الجهات، وعلى عدة طبقات، ثم نجعل الحاسوب يُركّب تلك الصورة الطبقية في شرائح مطبوعة يشاهدها الأطباء. نرى منها ما يحدث داخل ذاك الصندوق الأسود الذي نسميه الدماغ!
كان ذلك مشروعا مكلفا جدا، والشركة المفلسة غير مهتمة على الإطلاق بتمويله. ولمّا بدأ البيتلز يغنون عن الحب في Yesterday, ويغنون عن فقد الأم في Let It Be، ويغنون عن الوحدة في Elanor Rigby، ويغنون عن الحاجة للاتكاء على الناس في Help، ويغنون عن المرح في Twist And Shout، تحركت مع غنائهم مشاعر الناس، وتحرك معهم مشروع المهندس هاونسفيلد.
النجاح الهائل لفرقة البيتلز أثرى الشركة، وحقق فائضا يمكّنها من تمويل مشروع هاونسفيلد. وفي ظرف خمس سنوات، كانت أول صورة مقطعية لدماغ مريض قد ظهرت وساعدت في تشخيص علته!
ولأول مرة استطاعت البشرية رؤية ما حدث داخل دماغ أحدهم، دونما فك جمجمته.
بعد سنوات، فاز هاونسفيلد بجائزة نوبل على هذا الابتكار العبقري. أما فرفة البيتلز فقد تشظت مساراتها. فعضو الفرقة “بول مكارتني” لا زالت لديه حياة فنية نشطة. والعضو الآخر “رينغو” أصبح أقل نشاطا فنيا. أما عضوها الذي كان داعية للسلم العالمي ووقف العنف “جون لينون”، فلقد مات برصاصة من مسدس رجل حسود اسمه “مارك شابمان” كان يتسلى بقراءة رواية “الحارس في حقل الشوفان” وهو يترصده أسفل الفندق. أما العضو الهادئ “جورج هاريسون”، فلقد مات عام ٢٠٠١ من علة في دماغه تم تشخيصها -ثم علاجها- بذات الآلة التي اخترعها المهندس هاونسفيلد.
ورغم أن الفرقة تباعدت وتلاشت، إلا أن أثر أغانيها في حيوات الناس -مجازيا وحرفيا- لا زال مستمرا.
أهناك مبدع يتخيل أن يصل أثر عمله الإبداعي لمثل تلك الحدود البعيدة؟
لا أعتقد.
بيد أنني أعتقد أن أجمل ما كتبته فرقة البيتلز كان هذا المقطع من أغنية “إيلانور ريغبي” عن الوحدة، والناس الوحيدة:
“إيلانور ريغبي، ماتت في الكنيسة ودفنت مع اسمها. في عزائها ألقى الأب ماكنزي عظة لم يحضر لسماعها أحد.
إيلانور ريغبي، كانت دوما تنتظر أمام النافذة، ترتدي وجها تحتفظ به في برطمان جوار الباب. لمن ذاك الوجه؟ لا أحد يدري!
كل أولئك الناس الوحيدون، من أين يأتون؟!”
طارق الجارد، الرياض، يوينيو ٢٠٢٦م.
* سوق البراغيث: هي تلك الأسواق المؤقتة التي تجدها في لندن وأوروبا لبيع الأثاث والأثريات المنزلية المستعملة. لا أحد يعلم من أين أتت هذه التسمية. يقال لأن الدواليب القديمة المعروضة لمّا تُفتح للزبائن العابرين تظهر منها البراغيث. أما أنا، فتلك التسمية دوما تذكرني بفرقة الخنافس. لتقارب معاني الاسمين، ولأنني دوما ما أجد فيها أقراص غراموفون قديمة لفرقة البيتلز!
واحدة من التشكيلات الصخرية العجيبة القريبة من دربنا الشهري بين تبوك وضباء.

محمد علي كلاي مع البيتلز. كلّا من محمد علي وبعض أعضاء الفرقة كانوا من المناهضين الصريحين لحرب فيتنام.

جون لينون يوقع ألبومه لأحد معجبيه. ما لم يكن يعلمه جون، أن هذا الرجل الذي يوقع له، سيقتله بعد دقائق من التقاط هذه الصورة!
/https://tf-cmsv2-smithsonianmag-media.s3.amazonaws.com/filer_public/7f/f2/7ff2df54-2159-49e7-bbd3-ba3ab5d66d61/pixelated_image_of_a_brain.png)
أول أشعة مقطعية للدماغ.
أغنيتي المفضلة من البيتلز Let It Be. كتبها بول مكارتني في رثاء أمه.










