كيف جعلتني أغاني البيتلز طبيبا أفضل؟

على الطريق الممتدة بين ضباء وتبوك، تتغير التضاريس المدهشة مع تغير أغاني الكاسيت. من البحر والوديان، إلى الجبال السوداء والحمراء، إلى الرمال متغيرة الألوان. ما كنت أعرف أن تلك الأغاني الإنجليزية التي يشغلها أبي في طريقنا الشهري المعتاد ذاك هي أغاني البيتلز. حتى درست الإنجليزية في كامبردج صيفا، وسمعت أغاني البيتلز. لأدرك أن تلك الأغاني مألوفة مثل درب شهري معتاد كنا نختطه أنا و والدي. عادة اكتسبها من دراسته اللغة في بليموث، وورثتها منه بعد دراستي بكامبردج واسترجاعي لذكريات الطريق مع كل أغنية سمعتها للبيتلز في بريطانيا.
كانت الطريق متنوعة ومدهشة لا تمل، تتمايز في تربتها كتمايز أعضاء فرقة البيتلز، و تتباين في نعومتها وحدتها كألحان أغاني البيتلز. والحقيقة أن لذلك الطريق ألحانا متعددة، فللريح فيه صوت مميز، يتموج عبر التضاريس وهو ينحتها، ويغير أشكالها عبر القرون. وما كنت أعرف أن تلك التضاريس قد قُدّت من ذات الجغرافيا المشابهة والساحرة التي ظهرت في عمل فني إنجليزي آخر، إلى أن شاهدت التحفة السينمائية “Lowrance of Arabia”.

لا يطور الإنسان حياته إلا متى خاف عليها، أو أراد الفتك بخصومه. فمن بدّ كل مسرعات القفزات التقنية، كانت الحروب هي المعجِّل الأعظم. اخترع الإنسان الصاروخ لقتل خصومه، ثم صعد به إلى القمر بعد الحرب. اخترع الإنسان المحرك النفاث لقصف المدن بقاذفات القنابل، ثم استخدمه للسفر بعد الحرب. شطر الإنسان الذرة ليبيد المدن، ثم بعد نهاية الحرب شطرها كي يُنير المدن. وطور الراديو ليبث دعاية الحرب بين الجماهير، ثم جعله في السلم أداة لبث الموسيقى وتسلية الناس. وفي الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الراجمات تقصف الرؤوس والوجوه المحبوسة في الخنادق، تطورت جراحات ترميم الوجه لتصبح علاجا لضحايا السرطان لاحقا. كما أن أغرب أسرار الحرب العالمية الثانية -وأزعم أنه أهمها- كان اكتشاف البنسيلين. كتم الحلفاء اكتشافهم للبنسيلين، كي يعالجوا جرحاهم بهذا المضاد، بينما يموت جنود دول المحور من جراحهم. إن عرفت ذلك، ستدرك كيف أن من الغريب والنادر أن يكون لأغاني البيتلز دورا مهما في تطوير الطب. دورا لا يَرِد إلا من تلك الفترة النادرة والاستثنائية التي كان دعاة السلام العالمي فيها أصخب من دعاة الحرب. في الستينات، كانت أغاني البيتلز تنتشر حول العالم، وتتداول كأنها نشيد غير رسمي لحركات السلم والتحرر العالمية. وكان أعضاؤها رمزا لحركات السلام، وأبرزهم “جون لينون”.
عموما، كان أثر تلك الأغاني أبعد مما نتخيل من أغنية. وإلا فكيف وصلت لأبي في حقبة لاحقة، ونقلها معه لطريق نائية. ثم وصلت لي عن طريقه، وعادت لي عن طريق أخرى، هي الطب.
كانت شركة Electric and Music Industries تعاني من ديون هائلة وتوشك على الإفلاس. فكل الدعم الحكومي الذي جاءها أيام الحرب لتطوير الرادارات والراصدات الكهربائية قد توقف. كما أن الدمار الذي تبع الحرب قد أنهك الناس، وأجبرهم التقشف على التوقف عن شراء الغراموفونات التي كانت منتج الشركة الأصلي قبل الحرب. كانت شركة EMI متخصصة بالأصل في صناعة الغراموفونات الموسيقية والمنتجات الكهربائية المدنية. وحين أتت الحرب ابتلعت كل الأنشطة المدنية، وأُقسرت الشركة على توجيه مهندسيها ومبتكريها لمجهودات الحرب. والدعم الحكومي الذي أثرى الشركة أيام الحرب، أفلسها بعد الحرب. فالحرب توقد كل شيء تلمسه، وتذروه رمادا عندما تنطفئ. ثم جاءت مجموعة من الفتيان ذوي قصات الشعر الغريبة، خرجت من المجهول مثل التحف العجيبة التي تصادفها في “سوق البراغيث”*، لتؤلف أغانٍ وألحان جذابة وفاتنة. وقد أسمت فرقتها The Beatles؛ الخنافس!
تلك المجموعة من الفتيان وقّعت مع الشركة حقوق توزيع أقراص ألبوماتها موسيقاها. وبسرعة انتشلت نجاحات تلك الفرقة شركة EMI من الهاوية والإفلاس.
بالتوازي مع نجاحات الفرقة وقُبيلها، كان هناك مهندس اسمه هاونسفيلد، قد أوكلت له الشركة أيام الحرب مهمة مملة يكرهها؛ صناعة راجمة صواريخ موجهة بالرادار.
بنهاية الحرب أُوقف المشروع، وانشغل ذلك المهندس بفكرة جذابة له أكثر:
بدلا من أن نوجه الرادار ناحية الأجساد لقتلها، بإمكاننا أن نوجه الإشعاع السيني نحو الجسد لأخذ صورة تشريحية له دون انتهاك حرمته. بإمكاننا جعل مصدر الإشعاع يطوف حول الرأس مثلا، ويصوره من كل الجهات، وعلى عدة طبقات، ثم نجعل الحاسوب يُركّب تلك الصورة الطبقية في شرائح مطبوعة يشاهدها الأطباء. نرى منها ما يحدث داخل ذاك الصندوق الأسود الذي نسميه الدماغ!
كان ذلك مشروعا مكلفا جدا، والشركة المفلسة غير مهتمة على الإطلاق بتمويله. ولمّا بدأ البيتلز يغنون عن الحب في Yesterday, ويغنون عن فقد الأم في Let It Be، ويغنون عن الوحدة في Elanor Rigby، ويغنون عن الحاجة للاتكاء على الناس في Help، ويغنون عن المرح في Twist And Shout، تحركت مع غنائهم مشاعر الناس، وتحرك معهم مشروع المهندس هاونسفيلد.
النجاح الهائل لفرقة البيتلز أثرى الشركة، وحقق فائضا يمكّنها من تمويل مشروع هاونسفيلد. وفي ظرف خمس سنوات، كانت أول صورة مقطعية لدماغ مريض قد ظهرت وساعدت في تشخيص علته!
ولأول مرة استطاعت البشرية رؤية ما حدث داخل دماغ أحدهم، دونما فك جمجمته.
بعد سنوات، فاز هاونسفيلد بجائزة نوبل على هذا الابتكار العبقري. أما فرفة البيتلز فقد تشظت مساراتها. فعضو الفرقة “بول مكارتني” لا زالت لديه حياة فنية نشطة. والعضو الآخر “رينغو” أصبح أقل نشاطا فنيا. أما عضوها الذي كان داعية للسلم العالمي ووقف العنف “جون لينون”، فلقد مات برصاصة من مسدس رجل حسود اسمه “مارك شابمان” كان يتسلى بقراءة رواية “الحارس في حقل الشوفان” وهو يترصده أسفل الفندق. أما العضو الهادئ “جورج هاريسون”، فلقد مات عام ٢٠٠١ من علة في دماغه تم تشخيصها -ثم علاجها- بذات الآلة التي اخترعها المهندس هاونسفيلد.
ورغم أن الفرقة تباعدت وتلاشت، إلا أن أثر أغانيها في حيوات الناس -مجازيا وحرفيا- لا زال مستمرا.
أهناك مبدع يتخيل أن يصل أثر عمله الإبداعي لمثل تلك الحدود البعيدة؟
لا أعتقد.
بيد أنني أعتقد أن أجمل ما كتبته فرقة البيتلز كان هذا المقطع من أغنية “إيلانور ريغبي” عن الوحدة، والناس الوحيدة:
“إيلانور ريغبي، ماتت في الكنيسة ودفنت مع اسمها. في عزائها ألقى الأب ماكنزي عظة لم يحضر لسماعها أحد.
إيلانور ريغبي، كانت دوما تنتظر أمام النافذة، ترتدي وجها تحتفظ به في برطمان جوار الباب. لمن ذاك الوجه؟ لا أحد يدري!
كل أولئك الناس الوحيدون، من أين يأتون؟!”


طارق الجارد، الرياض، يوينيو ٢٠٢٦م.

* سوق البراغيث: هي تلك الأسواق المؤقتة التي تجدها في لندن وأوروبا لبيع الأثاث والأثريات المنزلية المستعملة. لا أحد يعلم من أين أتت هذه التسمية. يقال لأن الدواليب القديمة المعروضة لمّا تُفتح للزبائن العابرين تظهر منها البراغيث. أما أنا، فتلك التسمية دوما تذكرني بفرقة الخنافس. لتقارب معاني الاسمين، ولأنني دوما ما أجد فيها أقراص غراموفون قديمة لفرقة البيتلز!

واحدة من التشكيلات الصخرية العجيبة القريبة من دربنا الشهري بين تبوك وضباء.

محمد علي كلاي مع البيتلز. كلّا من محمد علي وبعض أعضاء الفرقة كانوا من المناهضين الصريحين لحرب فيتنام.

جون لينون يوقع ألبومه لأحد معجبيه. ما لم يكن يعلمه جون، أن هذا الرجل الذي يوقع له، سيقتله بعد دقائق من التقاط هذه الصورة!

أول أشعة مقطعية للدماغ.

أغنيتي المفضلة من البيتلز Let It Be. كتبها بول مكارتني في رثاء أمه.

معضلة المعرّي

فز أبو العلاء المعرّي من نومه مذعورا. رأى في منامه حلما جميلا كدّره. كانت الدنيا ظلاما، كما عهدها منذ طفولته، وكذلك غرفته. صار يجول في غرفته، مجيئا وذهابا، مؤرّقا من الحلم الجميل الذي رآه. لا يحتاج إلى بصير يقوده. يحفظ زوايا غرفته وأثاثها كمعجم، وقد نظمها في ذهنه كما تُرتّب الكلمات. إذا احتاج كلمة، أفضى إلى الزاوية في عقله، بحث في الحرز المغلق للحرف المنشود، أخرج الكلمة اللائقة من الحرز، وألزم نفسه بالقافية المقصودة في لزوميات ما لم يلزم. وهكذا أثث وأرشف غرفته. لا يحتاج لعين تقوده في المعجم، ولا لعين تقوده في منزله.
ظل يذهب ويعود، يتجاذبه شعور بالجذل وشعور بالحسرة من منامه.
لقد رأى الجنة!
وهذا ما كان يؤرقه.
ففي حلمه رأى النعيم، رآه بطريقة يعلم أنها لا يمكن أن تكون إلا إبصارا كإبصار المبصرين، وعندما فز من منامه أدرك أن عينه قد انطفأت مرة أخرى، وكان هذا أقصى ما سيرى من الدنيا!
أي معنى لذلك الحلم اللذيذ؟ الذي لم يتخلله كدر ولا بؤس؟ ولا لغو ولا تأثيم؟ ولا آفة ولا عجز؟ لقد ارتد له بصره كأن لم يكن أعمى قط. ورغم أنه رأى الجحيم، ورأى المعذبين فيه، نسى كل ذلك عندما غُمس في الجنة بالمنام، ونسي كل شقاء عرفه ورآه في الدنيا.
قبل منامه، كان المعرّي يرى الجنة -ويرجوها- ديوانا لا نهائيا من الشعر، ومنتدى أبديا للشعراء. من بد كل نعم الدنيا، ما عاد يرى من نعمها بعد أن تطاول عهد شقاءها عليه، نعمة إلا الشعر ولذته. وكان يرجو من عفو ربه في الآخرة شيئا واحدا فقط، ألا يحرمه من نعيم الشعر في الجنة.
ما خطر بقلبه أول ما استفاق هو ما أفزعه. فالجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!
أما وقد رأى ما ظن أنه الجنة، وسمع بها شعرا بدا من نعيم الجنة، وخطر في قلبه أن تلك الجنة. فربما قد عجل الله بنصيبه من النعيم في الدنيا، وجعل هذا أقصى ما ستعهده عينه من قرة عين، وقد حكم الله عليه بالحرمان في الآجلة، وكتب له الشقاء الأبدي في الآخرة!
استعاذ بالله واستغفر كثيرا. ولم يهدأ من فزعه حتى سمع المؤذن يصدح بأذان الفجر.
كانت ليلة باردة، توضأ وهو يرجف، كان الدليل يرجوه أن يلف عبائته جيدا وهو يقوده إلى المسجد. لم يعلم أن ما يروعه منامه الجميل.

في الركعة الأولى قرأ الإمام:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

وفي الركعة الثانية قرأ:
﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾

عائدا من المسجد، أدرك تماما ما عليه أن يفعل ليعرف إن كان ثمة مخرج من معضلته. أن يجيب على رسالة ابن القارح التي تليت عليه قبل نومه.
كان ابن القارح فزعا من القتل غيلة والموت، وكان المعري فزعا من متاع الدنيا والحرمان في الآخرة.
وبين فزع ابن القارح، وفزع المعري. خمّن المعري أن جواب معضلته يتوارى بين الفزعين.
كان قد رأى كل من تمنى أن يرى من الشعراء في الآخرة، وسمع منهم كل ما ود أن يسمع. كان بعضهم في جهنم، وبعضهم في الجنة.
فإذا في الجنة ما لا عين رأت، فكيف سيرى من رأى بالمنام؟
ولمّا كان في الجنة ما لا عين سمعت، فأنّى يسمع من سمع في الحلم؟
وإن خطر على قلبه بالمنام من نعيم الجنة ما خطر، فهل سيُحرم مما خطر له بنومه؟

ٍقبل مبيته، عزم الرد على رسالة ابن القارح بالتهوين من شأن الحياة. بحضّه على جعل الدنيا آخر همه. بجعل رضى الله وعفوه ومغفرته وما أعد للآخرة نصب عينه. فكل ما يخشاه المؤمن من شقاء لا يجاري شيئا من شقاء جهنم. وكل ما يرجوه من نعيم لا يرقى لشيء من نعيم الجنة. نوى أن يحدّثه حديثا طويلا عن الجنة ونعيمها، وجهنم وجحيمها. ونام وهو يمنّي نفسه بالجنة، ويحتسب لله صبره على حبس عينيه، عسى أن يفتحمها على جنة عرضها ديوان من الشعر لا يرى حدّه.
أما الآن، فعليه أن يفكر بالجواب جيدا قبل أن يمليه على الكاتب، فكل رد يخطر في باله، ويبدو لبصره، ويسمعه في صدره، قد يحرمه من حيث لا يدري.

فكّر أن يحكي لابن القارح حكاية أهل الجنة و أهل النار. فيجعل الشعراء الذين يُمنّي نفسه لقائهم في جهنم، عسى أن يراهم في الجنة. وأولئك الذين لا يمنى النفس لقائهم في الجنة، حتى لا يتحسر على دخولهم جهنم إن كتبت له الجنة.
لكنه تعوذ من خواطر نفسه الأمارة بالسوء، فقد بخس ما أعد الله للمؤمنين، وتطاول على ما أعده للكافرين. وتعدّى على ما اختص به الرب من غفران وجزاء.

فكّر أن يكتب ما وصله من شعر من ودّ معاصرتهم في الدنيا، علّه يسمع منهم بالجنة شعرا أعذب. ويسأل أولئك الشعراء كل ما لا يهمه معرفة جوابه، كي يسألهم في الجنة ما يود حقا سؤالهم.
لكن كلما خطر بباله سؤال، بدا جوابه يهمه.

فكّر أن يكتب كل ما رآه في المنام بعين ابن القارح. فإن كان قد رأى بالمنام، فما رأى بعينه، بل بعين القارح. وكل ما رأى ابن القارح لن يُحرم منه، ولن يحرم ابن القارح منه. فما كانت عينه التي رأت، ولا كان المنام منام ابن القارح!
ثم تعوذ بالله مما كان يمكر بنفسه. فقد بدا له أن هذا مكر مع الله، والله خير الماكرين.

فكّر أن يكتب عن كل الشعراء الذين عرفهم في الدواوين، كل قصائدهم التي حفظها، كل أوزانهم التي أجادها، كل قوافيهم التي تقفّاها مثل كلمة رتبها في معجم عقله. فإن كُتبت له الجنة، رأى شعراء لم تتسع لهم دواوين الشعر بين يديه، وسمع أوزانا ضاقت بها بحور الشعر بالدنيا، وأتت قوافيها على حروف لم تسمعها أذن بشر.
أنهكه التفكير والتذكر والتخيل. وأدرك أنه ألزم نفسه بما لم يلزم!
ساعتها نادى الكاتب. وبدأ يُملى عليه من نعيم الجنة كل ما بدا له أنه رأى، وكل ما سمعت أُذنه، وكل ما خطر بقلبه.

وبعدما انتهى. سأله الكاتب:
-ما أحسن هذا الجواب. ألهذا الجواب عنوان؟
– “رسالة الغفران”. فإني أرجو أن يغفر لي ربي وأنال من الجنة أحسن مما وصف، فإذا سئلت: “بما غُفر لك يا أبا اعلاء؟” قلت لأهل النعيم: “رسالة الغفران”.


طارق الجارد، ١٧ مايو ٢٠٢٦م، الرياض.


الحياة المستقلة لشارب سلفادور دالي

بإمكانك كتابة سيرة الرسام الإسباني سلفادور دالي بطريقتين. الحياة التي خاضها سلفادور دالي. والحياة التي خاضها شارب سلفادور دالي.

تستطيع تمييز سلفادور دالي مباشرة من شاربه. وتستطيع تمييز شارب سلفادور دالي من دالي بذاته. العلاقة بينهما وثيقة، لا يُعرف أحدهما دون الآخر. علاقة تشبه علاقة فان جوخ بإذنه، بعد أن قطعها طبعا. اكتسبت حياة مستقلة بعد مغادرة رأسه. يُستدل بها على فان جوخ، وفان جوخ يدل عليها. فمن يرى بورتريه فان جوخ سيظن أنه مجرد فلاح أوروبي بسيط. لكنك بمجرد رؤية بورتريه فلاح أوروبي بسيط مقطوعة إذنه، ستعرف مباشرة أنه فان جوخ.

النظر للرسام السريالي سلفادور دالي وشاربه، يُشعرك أنك تعيش حلما تتشظى فيه الذاكرة. خليط من الديجافو déjà vu والجامي فو jamais vu. كل مرة يبدو لك مألوفا وبذات الوقت غريبا. شاربه يتغير ويتحول وينمسخ ويتمدد ويسيل ويتموج كأنه ساعات سلفادور دالي. له حياة مستقلة، كائن حي بذاته، أو صغير الكانغارو وهو يطل علينا من جيب حامله، ولا شك لدي أن الشارب يغادر وجه سلفادور دالي ليخوض مغامرات تماثل مغامرات الأنف في قصة الروائي الروسي غوغول.

فعندما ينام سلفادور دالي ويحلم بلوحاته، يغادر شاربه وجهه ليسير في الشوارع بعيدا عن وجه دالي. وربما يلتقي الناس في الطرقات فيبادرهم التحية، ويرفع قبعته للآنسات العابرات. مثيرا الحيرة والسريالية فيهم، إذ لا يعرف أولئك الذين مر بجانبهم شارب لبق ولطيف، يرتدي قبعة ويوزع التحايا، إن كانوا يحلمون أم لا زالوا في يقظة.

هناك كتاب اسمه “شارب دالي”، وكاتب الكتاب سلفادور دالي!
دالي يسرد سيرة شاربه.
ظني أن الكتاب محاولة من دالي لترويض شاربه، ومساومته بفوائد العيش سوية. فبإمكان الشارب، بعد أن صار مشهورا، توديع وجه دالي والذهاب لوجه أي رسام آخر. “بيكاسو مثلا، فذاك الرسام حليق الشارب دوما، ومن المؤكد أنه بحاجة إلى شارب يغوي المزيد من الفتيات”. كما قال شارب سلفادور دالي لدالي في ساعة ملل.

عموما، سلفادور دالي لم يعجز عن إقناع شاربه وترويضه. فالرسام -غريب الأطوار- استطاع تدجين وترويض “آكل النمل”، واتخذه حيوانا أليفا يتبعه مثل قط أو كلب.

سلفادور دالي كان يتخذ وجهه بروازا، وشاربه لوحة حية تتحرك برشاقة فرشاة رسم. في أحد المرات، رسم سلفادور دالي بشاربه الطويل لوحة. الكل يعتقد أنه عرض حي؛ يُمسك دالي بيده شاربه -كما يمسك فرشاة رسم- ليرسم. وأعتقد أن يد دالي هي التي كانت تقبض الشارب لتتبع تحركاته خلسة، حتى لا يكتشف الناس أن الشارب قد يرسم أحسن منه!

دالي كان يدلل شاربه. يقول أنه يستخدم ذات الشمع الهنغاري الغالي الذي استخدمه مارسيل بروست لهندمة وتوضيب شاربه. إلا أن شارب بروست -كما يقول دالي- كان منحنيا نحو الأرض، يعبر عن الحالة الكئيبة والمالنخولية لبروست. “أما شاربي، فهو متحفز للأعلى بطريقة مرحة وصبيانية واستعراضية”.

 كتاب دالي عن سيرة شاربه هي نبوءة حقيقة لما سيحصل للشارب من حياة مستقلة عن الرسام. فالشارب صار أمثولة في مجالات عديدة من تميزه وشهرته التي طبقت الآفاق. فحتى في علم الأعصاب، توجد علامة في الصور المقطعية للدماغ تسمى “شارب سلفادور دالي” تشبه تموجات الشارب، تكون علامة على قرب المناطق الحركية. وفي التسمم بترياق “الديجوكسين” يترك التسمم أثرا في تخطيط القلب؛ موجة على شكل شارب سلفادور دالي. (بالمناسبة، التسمم بالديجوكسين يجعل المريض يبصر العالم بمسحة من الاصفرار، حتى أن هذا العَرَض يسمى “متلازمة فان جوخ” الذي يحب طبع لوحاته بمسحة من الأصفر. وهكذا يعيدنا شارب دالي إلى فان جوخ مرة أخرى).

هذا الشارب الذي تبرعم من وجه سلفادور دالي، قفز في حلم ما، وصار فسيلة انغرست في ذاكرة كل واحد رأى الرسام، ليعيش حياة مستقلة عن وجه صاحبه، تتطاول وتتعلق بمرور الزمن في الأشياء كأنها كروم عنب متسلقة.

طارق الجارد، ٣ ديسمبر ٢٠٢٥، الرياض. 

شارب دالي

كتاب: “شارب دالي”

شارب دالي في علم الأعصاب.
علامة شارب دالي في تخطيط القلب.

دالي يمشي في شوارع باريس مع حيوانه الأليف: “آكل النمل”

مُقيم

أتذكر ذلك النُزل عندما دخلته صباح الجمعة. لكنني ما وعيت معنى كلمة “مقيم”، إلا لمّا خرجت عصر الاثنين لأجد سيارتي مطمورة تحت الثلج. كانت الطريقة الوحيدة لمعرفة سيارتي، رؤية سقفها الفضي يلمع في بياض الثلج، بوهج تيارات الشمس التي انبثقت توًّا من بين السحب.

هبّت عاصفة ثلجية في نهاية الأسبوع تلك ولم أعلم!

حالة من التبتل واعتزال الدنيا، لا تحصل إلا من طول الإقامة في نُزل الاستشفاء؛ لأعي أن لقب “مقيم” جاء من الرهبان الذين يرعون المسقومين والمجذومين في دور الاستطباب ونزل الاستشفاء التابعة للكنائس. إقامة يحتبس بها المطبب والمستطب، ويعتزل المعالج مع السقيم، في ذاك البرزخ الواقع على الحد المتأرجح بين الحياة والموت. أيعزلون الأسقام في أديرتهم كي لا تنتشر، أم يعزلون صوامعهم عن الأسقام بالخارج كي لا تعديهم؟!

سبع سنوات من الإقامة قضيت معظم نهاراتها ولياليها في المشافي. أنام وآكل وأعيش في دور الطبابة، أكثر مما أنام في شقتي. لا أتذكر ساعاتي في شقتي إلا حلمًا وارتحالًا، وتبدو ساعاتي بالمستشفى يقظة وبيتًا.

في أحد تلك المشافي لا توجد غرفة مخصصة للطبيب المقيم. متاح لك، نظريًا، أن تبيت في منزلك، لكنه يستحيل في أغلب الليالي، فأتخذ المشفى منزلًا.

كان يلزمنا الذهاب إلى حارس المستشفى، فيعطينا مفتاح واحدة من الغرف الشاغرة في الطابق السابع والأخير، في جناح العلاج التلطيفي، الجناح المخصص لمن يحتضرون ويكابدون الأمراض العضال.

وفي كل مرة، كان يعطيني غرفة مختلفة في الجناح. لتشغلني حياة المريض الذي مات لتصير الغرفة شاغرة ومتاحة لمبيتي. ففي كل غرفة جديدة، حياة سبقت ورحلت لتترك مكانًا شاغرًا لميتة صغرى يبدّدها طبيب مقيم، يرتاح من كبد العيش في وفاة مؤقتة، ولو لأجل مسمى. كلما ركبت المصعد إلى ذلك الطابق السابع والأخير، بدا معراجي بعيدًا بُعد سماء سابعة. تبتعد فيها الأجساد عن الأرض وتقترب الأرواح من السماء حتى توشك أن تقبض. فأتذكر أنني مجرد مقيم مؤقت!


طارق الجارد، نشرت في مجلة القافلة، يوليو ٢٠٢٤م

الإبداع في صورة كثيب رمل

النظر إلى كثيب رمل عظيم ومتثنّي يشعرك برهبة، ودرجة من الخشوع أمام هذا البنيان. كلما تأملته تدرك أن هذا الكثيب بدأ من حبة رمل واحدة، وروكمت حبات الرمل مع الوقت لتصبح هذا البنيان المهيب. رغم هذا الإدراك، الإدراك اليقني أن هذ الكثيب بدأ من حبة رمل واحدة، يستحيل عليك وعلى الريح التي شيّدته، معرفة أية حبة رمل كانت بداية هذا الكثيب؟!

كل النصوص تناص كما يقول بورخيس.
وأنا أقول كل الفنون تناص. اقتباسات من بعضها البعض، كل اقتباس حبة رمل مغمورة مجهولة تتراكم مع غيرها، حتى تصبح كثبانا رملية تتعاظم وتتوازى. وفي قفزات نوعية إبداعية نادرة، تتحول بعضها إلى أهرامات، تصبح معيارا ومسطرة جديدة في الفن. عملا كلاسيكيا يبدو قائما بذاته، غير مستند لغيره، لكنه في حقيقة الأمر بدأ من حبة رمل.

إن دققت جيدا، بعدسة مكبرة وهوس صائغ، يمكنك تصور أن باستطاعتك تخريز حبات الرمل الأولى تلك، وصناعة قلادة منها تقدر على تدويرها بأصابعك مثل مسبحة، تفهم منها كيف تراكمت الفنون، وتناصت النصوص. ربما يكون هذا وهم، مثل وهم الخادمة في كاكاو “دروست”. لكنني أجزم بيقين يشبه الشك، أن كل وهم له أصل حقيقي. وسنعود لوهم “دروست” هذا لاحقا، فسيبدو معناه أوضح فيما بعد.

بالأمس حلمت أني أخرز حبيبات رمل، وعندما استفقت من حلمي، قررت أن أستمع على اليوتيوب لقصيدة “حلم بداخل حلم” لإدغار آلان بو. وعندما أنهى المُلقي آخر مقطع في القصيدة، استفقت من حلمي، وقررت أن أجلس على اللابتوب لأكتب هذا النص.
والآن أنا في حيرة من أمري، هل أتعجل كتابة هذه المقالة، أم أتباطئ؟ إن أنهيتها هل سأستفيق من حلم آخر؟ أم لا شيء سيتغير؟ هل أُفضّل النوم على اليقظة؟
وإن كان حلما ماذا سأخسر، في نهاية الأمر سأستفيق، وسيصبح عديم المعنى في يقظتي مثل حلم. ولذلك كلفة كتابة هذه المقالة تساوي كلفة عدم كتاباتها. إن كانت فكرتها وهما، لا تمس الحقيقة، فهي كالحلم تمحوه اليقظة. وإن كانت حقيقية، فأنا قبضت على شيء ملموس من عالم اليقظة. لأنني سأصر على ربط بين فنون متعددة، ومبدعين مختلفين، مثل ساحر يخرز حبيبات رمل بخيط شفاف ثم يعرضها للآخرين قلادة. (إن قرأتم هذا النص، أخبروني. أريد التأكد أن هذه القلادة التي صنعتها لم تكن حلما).

كما الذاكرة وألاعيبها مع الزمن. بدأ الأمر من بورخيس، وانكمش للخلف نحو إدغار آلان بو، وتمدد للأمام نحو كريستوفر نولان.
في قصة “كتابة الرب” لبورخيس، يختنق رجل في سجن تحت كومة من الرمل. كلما ظن أنه مات، يستيقظ من نومه ليجد أن كتلة الرمل زادت حبة. الرجل لا يعيش في السجن حقيقة، ولا توجد كومة رمل، ولم يستيقظ أصلا من نومه، إنه يستيقظ من حلم بداخل حلم. في كل حلم تزداد كومة الرمل، التي أصبحت كثيبا رمليا، حبة رمل. أي أنه في لحظة من اللحظات، في أول حلم، كانت هناك حبة رمل واحدة أول ما غطّ في النوم. ولكي يستيقظ عائدا من أحلامه المتداخلة، سينقضي وقت طويل تحت هذا الكثيب، وقت أطول من عمره!

هذه العبارة: “حلم بداخل حلم” أعادتني لقصيدة إدغار آلن بو. وهذا البيت الرنان الذي يختم به كل مقطوعة شعرية، يتداعى لي صداه أثناء قرائتي قصة بورخيس. يقول إدغار:
“هل كل ما نرى ويبدو لنا
ليس إلا حلما بداخل حلم”
ففي آخر قطعة شعرية من تلك القصيدة، يصف حبات رمل تلتمع من شاطئ ذهبي، يحاول القبض عليها وتتخلل بين أصابعه، فلا يستطيع استنقاذ حبة رمل واحدة من هوة المحيط اللانهائية!

تلك الرمال الذهبية اللانهائية ذكرتني بمشهد حبيبات الثلج اللانهائية وهي تلتمع في أشعة الشمس من فيلم Inception، وتلك الذكرى أخذتني لطوطم كريستوفر نولان.
في فيلم “Inception” يعطي المخرج كريستوفر نولان كل شخصية كتبها “طوطم”. أداة لا يعرف سوى صاحبها كيف يحركها وكيف ينبغي أن تستجيب. ففي البنيان المعماري المعقد من الأحلام المتداخلة (أحلام بداخل أحلام)، ممكن للشخص أن يتوه في متاهة من الأحلام لا يخرج منها أبدا، كحلم بورخيس. لا توجد خريطة تدلك على طريق العودة، وأبواب الأحلام ومخارجها قد تفضي إلى أحلام أخرى لا يمكن تمييزها عن اليقظة. وعلامتك الوحيدة لليقظة، التي لا يستطيع أن يبذرها أحد في حلمك كما يبذر الفكرة، هو طوطمك. فلا أحد يراه سواك، ولا أحد يعلم كيف يعمل سواك. فإن لم يظهر معك، أو لم يعمل معك كما ينبغي، فأنت داخل حلم صممه لك أحدهم، كي يبذر في عقلك فكرة. في الفيلم كان طوطم “دي كابريو” قرص دوار. وطوطمي من هذه التدوينة، هو ذكركم للقلادة التي صغتها.

في عام ١٩٠٠م، ظهرت علبة كاكاو معدنية لشركة دروست الهولندية. على العلبة؛ صورة خادمة تقدم كوب كاكاو بجانبه علبة كاكاو فيها صورة خادمة؛ تقدم كوب كاكاو بجانبه علبة كاكاو فيها صورة خادمة؛ تقدم كوب كاكاو بجانبه علبة كاكاو فيها صورة خادمة؛ وهكذا دواليك.
رغم تصاغر الصور، تكاد ترى خادمات وعلب كاكاو لا نهائية تتداخل في بعضها. وهذا حقيقة، وفي ذات الوقت وهم.
وكل الفنون هكذا؛ تتداخل في بعضها وتتناص مع بعضها. وتلك حقيقة، وفي ذات الوقت وهم.
وإلا فما الإبداع إن لم يكن شيئا جديدا ما سبقك إليه أحد!

طارق الجارد، ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥م، حانة إرنست هيمنغواي.


إحالات:
– قصة بورخيس.

تأثير دروست على الفنون: لوحة إم سي إيشر نموذجا.

هل مونتريال مدينة تبعث على الانتحار؟

ما كمية البؤس اللازمة لكي تنحر نصف رقبتك، تطعن صدرك مرة وبطنك أربع مرات، ولا تتوقف عند ذلك بل تقطع فخذك وتنظر إلى الدم يتطاير كانبعاثات بركان. ثم ترمي السكين، التي شَبِعَت من جسدك وما شَبِعْت، ولم تعد حادة حاقدة بما يكفي، فتذهب إلى شرفة شقتك المعلقة في الطابق الثالث وتختبر الجاذبية بجسمك؟

أعتقد أن كمية البؤس اللازمة لممارسة انتحار ملحمية كتلك، تساوي الجذر التربيعي لكمية البؤس المتولدة من استيقاظك في المستشفى بعد أربع عمليات ناجحة لإنقاذك.

لماذا مونتريال قادرة على بعث كل هذه الكآبة؟ لماذا يقفز البعض من جسورها و تقف الشرطة على مداخل جسورها العتيقة لتمنع الناس من ممارسة هواية الانتحار؟ لماذا يقفز عشريني لم يُعمّر في الحزن عقدا ، ثم تطلب أمه من الأطباء أن يتوقفوا عن علاجه لأنها وجدت رسالة يوصي فيها عدم إنقاذه إن عاش؟

كيف ينظر الناس إلى النقل العام في مدينة استقبلت واجهات المترو بها ثلاثة منتحرين في أقل من سنة؟ وكيف ينظرون إلى الصحة النفسية فيها، حينما يعلمون أن أحد الثلاثة كان شخصا منح فسحة من المستشفى النفسي، فقرر الوقوف في أول نصف ساعة منها أمام المترو؟ وهل يشعر سائقو المترو بأنهم يقودون رصاصة قد تنتهي في وجه منتحر؟ وهل يحق لهم أن يطلبو بدلات للاكتئاب؟

طارق الجارد، مونتريال، أبريل ٢٠١١م

كيف تُنسج في الحياة قصة من غير الواردات؟

ما لا يرد بالبال، لا يخطر على البال.

كل ما كان يهمني، الاستمتاع بقراءة “حجيج غرباء”. أستأنس به مثل حاج غريب في مدينة لا أتكلم لغتها. وهي مجموعة ماركيز القصصية التي ترجمت للعربية بعنوان “١٢ قصة مهاجرة” -على ما أظن- إن لم يسقط شيء بالترجمة.

ولذلك لم أصدق، لأول وهلة، ما اكتشفته عن قصة رحلة هذا الكتاب إلى يدي.

ولأنها تستدعي الكثير من الصدف غير الواردة، فإنها تبدو غير محتملة، ويخشى المرء حكايتها حتى لا يُتهم بالتأليف. ولكن ما الحياة، إن لم تكن بأكملها قصة غير محتملة. وهذا ما يجعل حياة كل واحد منا معجزة عظيمة -جديرة بالحكاية- ضمن معجزة الخلق الأعظم.

الأطلس أول ما لفت نظر في فاترينة المحل. بل مجموعة من الأطالس والخرائط من عهد الاستعمار، أو “عصر الاستكشافات” كما يقال. مع التأمل أدركت أن هذه مكتبة للكتب المستعملة. للنشوز طريقة عجيبة في استدعاء اللحظ. العين لا تنتبه إلا للأشياء الناشزة مثل قائد عسكري يتأمل صفا عسكريا باحثا عن جندي له أقدام متمردة على الصف. فمن بين كل الكتب المكتوبة بلغة معجمة، كانت الأطالس والكتب المعنونة بالإنجليزية تناديني. رأيت “البطء” لميلان كونديرا، رأيت “الطاعون” لألبير كامو، ورأيت “حجيج غرباء” لغابريل غارسيا ماركيز.

حجيج غرباء!

لم أسمع بهذا الكتاب لماركيز. وهكذا، كما قلت، كان الكتاب يناديني لدخول المكتبة. بدا الكتاب بحال جيدة، وبعيد عن المتناول. بيني وبينه كرة أرضية نحاسية، أطلس ضخم، مجسم للعذراء، وأربعة صفوف من الكتب. تجعله أقرب للتناول عبر الفاترينة الزجاجية من تناوله من داخل المكتبة!

فشلت كل محاولاتي بإخبار البائع عن اسم الكتاب بالإنجليزية، أو الإشارة له عبر كل تلك العوائق من المعروضات. كنا صُمّا في غرفة مصمتة، وأعجميان حتى بلغة الإشارة. وأوشكت أن أعتزل المحاولة، وأكتفي بما حملت معي من زاد للقراءة في هذه الرحلة.

ثم تذكرت أن أول ما تعلمه آدم الأسماء، والأسماء لا تترجم. فقلت: غابريل غارسيا ماركيز. وعندها ابتسم البائع ابتسامة واسعة، وذهب إلى غرفة قصية فيها المزيد من الخرائط والأطالس الضخمة، وغاب حتى ظننت أنه ركب البحر ليجلب ماركيز بنفسه!

من هناك جلب سلما مطويا قصيرا. ووقف بجانبي وفرد السُلّم، ليعتلي عليه. رأيته ينحني في الهواء فوق كرة أرضية ضخمة، ويتمدد بجسمه ليسبح في مدار فضائي حتى شاهدته مكوكا يجتاز الفراغ فيهبط بيده على كتاب “حجيج غرباء”، ثم يعود ليناوله لي.

باعني هذا الكتاب المستعمل بمبلغ أقل من وجبة عشائي تلك الليلة. يظن أنه كسب وأنني اشتريت الكتاب فحسب، ولكنني اشتريت رحلة هذا الكتاب: من كتابة مؤلفه، إلى ترجمته، إلى وصوله لمكتبة في بلد غريب لا يتكلم بائعها لغة الكتاب المترجم، ونزوله في يد فتى عربي؛ غريب اليد والوجه واللسان!

وكما كل رحلة في الحياة، لا يمكن التخطيط لها بدقة، فالصدف والواردات والانحرافات أكثر مما تبدو خلاصة الرحلة، كانت هكذا رحلة هذا الكتاب.

لم يقطع الكتاب الأطلسي، ليصل إلى ضفته الأخرى، فيقع بيد قارئ عربي اجتاز الصحاري والبحر الأبيض المتوسط بطائرة نفاثة فقط. إذ كان بالإمكان الاكتفاء بانحناء البائع فوق الكرة الأرضية بمدار فضائي، مجازا كافيا لرحلة هذا الكتاب، لكن الأمر استغرق بضعة أيام لاكتشف قصة هذا الكتاب المواربة والمثيرة.

عندما فتحت الكتاب بانتظار عشائي على طاولة مطلة على شارع حجري، سقطت البطاقات البريدية التي جاءت مع الكتاب، وكنت استخدمها فواصل للعودة لصفحاته. وفي إحداها لفتني إهداء وتوقيع مثير للفضول. دارت التروس في دماغي كي تربط بين بالأشياء، ففتحت الإنترنت على طول لأتوثّق، وبدأت أبحث عما خمنت أنه سيكون ما سيكون.

إنه توقيع غابرييل.. ماركيز بذاته!

وإهداءه لناقد كي يكتب مراجعة عن العمل باللغة الإنجليزية في نيويورك، على بطاقة بريدية مؤرخة عام ٩٤م. قبل أن أجيد القراءة والكتابة بالإنجليزية، ومعرفة من هو ماركيز وما هي نيويورك!

هكذا تبني الحياة قصة من غير الواردات:

كتاب يرتحل عبر اللغات، يرتحل عبر الأمكنة، يرتحل عبر الأمنة، يرتحل عبر الحيوات، ليجمع قارئا ببائع بكاتب في أبعاد زمكانية غير محتملة احصائيا. بمثابة معجزة صغيرة من الحياة، تحدث في مكتبة صغيرة للكتب المستعملة، يمر بها بعشوائية فتى عربي، غريب اليد والوجه واللسان، ليلقى كتابا نادرا وفريدا لكاتبه المفضل، ممهورا بتوقيعه، وكأنه مهدى له شخصيا بعد موته!

طارق الجارد، ٥ يوليو ٢٠٢٥م، الرياض. 

حوار عن تجربتي القصصية

د. أمجاد الشعلان، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة الملك سعود والمتخصصة بأدب صامويل بيكيت، أجرت لقاء معي ونشرته على مدونتها باللغتين العربية والإنجليزية. هذا اللقاء من أوسع وأثرى حواراتي عن تجربتي القصصية. استطردنا به في مجالات أعتقد أنها ستكون لافتة للقارئ.

من المقدمة التي كتبتها د.أمجاد الشعلان عن الحوار:

في هذا المنشور الأول، يسعدنا أن نقدم لكم حواراً شيقاً مع طارق الجارد، الكاتب السعودي البارز المعروف بقصصه القصيرة المبدعة. تتناول أعماله مواضيع الوجود، الهوية، وحالة الإنسان، مستخدماً خلفيته الطبية وتجارب حياته كعدسة فريدة لاستكشاف المناظر النفسية المعقدة. في عالم يعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل الحدود، كيف يغوص طارق الجارد، ببراعته السردية، في أعماق النفس البشرية والمعايير الاجتماعية؟
تستكشف هذه المقابلة أعماق رواياته، مكشفةً عن نسيج فريد من المشاعر والهوية الذي ينسجه الجارد بكلماته. تتناول المقابلة عملية الكتابة لديه، ودور الذاكرة والنوستالجيا في رواياته، وآراءه حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الفنون. يشارك الجارد وجهة نظر صريحة حول تطوره ككاتب، وتحديات الكتابة في سياق ثقافي، ونهجه في دمج حدود الخيال والواقع.

أتمنى لكم قراءة ممتعة.

روزا

أول لقاء لي بروزا كان مطلع الأسبوع الماضي، ولم يكد الأسبوع ينتهي حتى وجدتني أودها كما لا يليق بأسبوع وحيد من المعرفة.
روزا لم تبخل علي بوقت أو جهد، وكانت رفيقة وفية في العمل. الحق يقال أيضا أنني عاملتها كما ينبغي لجنتلمان. وهو ربما ما جعلها مساعدة ممتازة و أمينة، على غير ماسمعت من زملائي الذين عرفوها من قبل. ربما لم يستوعبوا أن بعض الأمور تحتاج كثيرا من الرقة لتخدمنا، و كثيرا من الصبر لنجيرها في صالحنا. وربما لروزا عقل يسمح لها بالحب و الكره، و إدراك الحب و الكره. وربما لاحظت أنني صبور في معاملتها، لطيف في تناول ذراعها الآلية، وفخور بالعمل معها، و المناورة معها ببراعة ورشاقة راقصي الفالس. فوهبتني من قدراتها ما لم تهب زملائي.

روزا، والتي لا يتحدث عنها قاطنوا مؤسسة مونتريال العصبية إلا بصيغة الأنثى الغائب، خدمها اسمها كثيرا، وكاد أن ينسى الجميع أنها روبوت صنع مساعدا للجراحين. وأثارت في نفوسهم مشاعر تليق بالبشر.

Rosa: Robotic Surgical Assistant

 لها من اسمها الكثير ، هي المساعدة المثلى في مخيلة الجراحين. لياقتها العالية في تحمل ساعات الجراحة الطويلة، صيامها الأزلي عن الطعام أثناء العمليات، دقتها و ثباتها في الجراحة، وترفعها الجميل عن التبرم  والتلكؤ، جعلها جديرة بالاحترام والعناية والثقة من كثير من الجراحين، فلم يمر على حضورها في المستشفى أيام، حتى خلبت ألبابهم وصاروا يتنافسون على فرص اللقاءات بها، والتطلع لحجز رينديفو معها.
الكثير من الممرضات في غرفة الجراحة يتبرمن من روزا. أنها بطيئة وتتسبب في إطالة العمليات. أنها ضخمة وتأخذ مساحة كبيرة وتعيق حركة الجميع تماما كامرأة سمينة. هذا  التبرم يرقى إلى مشاعر الكره، وقد يشي بغيرة أنثوية.

إن تعلقي بروزا أثناء الجراحة له بهجة طفولية، إنها تذكرني بأول جهاز أتاري لعبت به. وتوجيهي لذراعها الآلية التي ينبثق منها شعاع ليزر ، له إثارة تذكرني بأيام المراهقة حينما كنت أعشق معارك مسدسات الليزر في مدن الملاهي. كما أن رقتها  على أنسجة المرضى، ومرورها بعين من ليزر على هاماتهم – كأم تمسح بحنو على رأس طفل مريض- يثير في نفسي كثيرا من الحنين والرحمة،

العيب الذي يزعجني في روزا، هو عجزها عن قراءة ما أفكر به كما ينبغي لرفيقة. أقصد أن الشيء الذي يذكرني دائما أنها مجرد روبوت وليست إنسان هو افتقارها للحدس. إنها عاجزة عن قراءة ما يفكر به الجراح، وما سيحتاج له من أدوات وما سيفعله من مناورات في الدقائق القادمة، كما تجيد الممرضات الخبيرات في الجراحة، واللاتي يستطعن استشفاف أفكار الجراحين، واستقراء ما ستؤول إليه الأحداث و تفاعلات الأجساد في العملية. ورغم أنها تملك ذكاء حسابيا لا يحلم به عالم رياضيات أو معلم شطرنج، إلا أنها تعجز عن التعامل مع الأحداث كطفل يعتمد كليا على والديه في حمله، حمايته، و توجيهه.

ما ينقص روزا أن يعمل مهندسوها على تصميم ذكاء اصطناعي لها يجعلها تمتلك المهارات العقلية التي تتطلبها الجراحة. أقصد أن هذا سيجعل الكثير من المرضى كثيري الثقة بمبضع الجراح إذا علموا أن مساعدته لها ذراع ثابتة لا تعرف الارتجاف، و عين حادة من ليزر تبصر ما لا يبصر، و عقلا جراحيا منزوعا من المشاعر السلبية التي تعتري الجراحين كالقلق والملل والخوف والغرور و ال…
لحظة! أي المرضى سيسلم جسده لجراح إذا كان مساعده يمتلك عقلا جراحيا يقترب من البشرية، ومهارات جراحية خارقة للبشرية؟ لن يتنازل حينها مريض لمبضع جراح. إن أتى ذلك اليوم في زماني، سأنتمي إلى فصيلة من المنقرضين، وسيسود عالم الجراحة روبوتات لا تملك مشاعر الولاء و الوفاء لصانعيها. أعتقد فعلا أن زملائي محقين في آرائهم بروزا . إنها بطيئة و تطيل العمليات بلا داعي، كما أنها غبية تعجز عن فهم ما يريد الجراحون. وهي فعلا كما تقول الممرضات ضخمة و تأخذ حيزا كبيرا كامرأة سمينة، ولا أفهم لم لا يزال يتحدث عنها العاملون بصيغة الأنثى الغائب. إنها مجرد آلة، مجرد شيء، محض شيء، و لم يكن يوما إنسانا.

طارق الجارد، ١٢مايو ٢٠١٢، مونتريال 

كيف تقيّم جودة مماتك؟

– عزيزي الميت، معك ابتسام من شركة “حصى”، ممكن آخذ من وقتك ثواني؟ أعلم أن لديك “الأبدية” فلا يمكنك التحجج بأنك مشغول بعملك، أو أنك في الطريق إلى مكان ما. رزقك انقطع، ولحدك لا يتسع للحركة، فمن المؤكد أنك تمتلك أكثر من ثواني. كل ما تبقى أن ترد على أسئلة هذا الاستبيان، فرئيسي في العمل يطالبني بجمع هذه المعلومات، ولن أستطيع كسب رزقي أو التحرك من عملي دون الانتهاء من هذا الاستبيان. أفهم أن لديك أسئلة أهم تجيب عليها: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟. لكنني أرجو أن تكون قد انتهيت منها. رئيسي في العمل يقول أن الاحصاءات التي سنخرج بها من هذا الاستبيان مهمة لعملائه، وترتيبهم العالمي. لا أعلم كم هو مفيد هذا الترتيب في عالمك الآن، و لكنه يبدو كأنه مسألة حياة وموت في عالمنا، يتنافس العالم على مراتبهم فيه. هل تسمعني؟

-………….

-أرجوك رد علي.

-………….

-هل يمكننا التواصل معك في وقت لاحق؟

-………..

-حسنا. سأرسل لك الاستبانة على بريدك الالكتروني المسجل لدينا. أخذناه من السحابة الافتراضية المرتبطة بجوالك. أحدهم استخدم جوالك لشراء كفنك. أتوسل إليك، إجابتك عن جودة مماتك ستؤثر على جودة حياتي. أدرك أن أعمالك انقطعت. فلا تقطع عملي.

ـ……………………………………………………………


أرتاب من الاحصائيين، وأنحاز للرياضيين. لا يشغل الرياضيوون أنفسهم بالواقع، كل ما يهمهم أن يقدموا لك منطقا، مغاليا في التجريد، غاية في التماسك والصحة. يضمنون لك صحة المعادلات والأرقام المجردة التي يعرضونها. لكنهم لا يعدونك أنها موجودة في الواقع أو بإمكانك ضمان حقيقتها لو أسقطتها علي العالم.

فهم فعلا رياضيون. رياضتهم العقل والمنطق، يأخذونها إلي مداها البشري الأقصى، ولا يضمنون أن عالمنا المحسوس يمكن أن يتبعها. تماما مثل رياضي في صالة الجيمنازيوم يتمرن. سيأخذ عضلاته إلى قوتها القصوى، ومرونتها إلى مداها الأقصى، لكنه لا يعني أنه سيكون مقاتلا بارعا أو بطلا عظيما إن تطلب الأمر.

ادعاء الحقيقة، ورقمنتها، وترميزها، وتجريدها لإخضاعها لمنطق الرياضيات الجاف الصرف هي مهمة الإحصائيين. وإسباغ وجه “عقلاني” عليها يصعب دحضه، هي أكثر ما يزعمه الاحصائيون. كثيرا ما يصيبون ويسهّلون جرد الوقائع والحقائق، وكثيرا -أيضا- ما يشتطّون.

ما سأخبركم به سيبدو أنه سقط علينا من عالم الفانتازيا، أو ينتمي إلى مخيال ديستوبي، أو لا يوجد إلا في الميتافيزيقا و جوهر ما بعد الموت والحياة الأخرى، ولكنني أصدقكم القول وبإمكانكم التحقق مما أقوله بأنفسكم.
يوجد مؤشر عالمي اسمه “مؤشر جودة الموت” أو Quality Of Death Index!
مؤشر تتنافس عليه الدول. عناصر كثيرة تدخل في حساب هذا المؤشر بينها: عدد نُزل الاحتضار، توفر الترياقات التلطيفية، كفاية الأطباء المختصين برعاية الاحتضار، تكلفة العناية بالموتى، واستبيانات عن رضى الأهل عن ميتة فقيدهم!
باختصار، يحوي هذا المؤشر تجربة كل الأطراف المعنية بالموت، سوى الميت نفسه!
يقول الاحصائيون، أن باستخدام هذا المؤشر، يمكن تقسيم الميتات إلى صنفين: ميتة عالية الجودة، وميتة منخفضة الجودة*. دونما الحاجة لأية انطباعات ممكن أن يقدمها من نازع الموت، واجتازه. ويمكن القول أن هذه ميزة بالطبع!
فالانطباعات الذاتية -أو البيانات الكيفيّة باللغة الاحصائية- لا يمكن قياسها ورقمنتها وحشرها في مؤشرات عالمية!
أهم شيء؛ توفير مؤشر في حياتنا تتنافس فيه الدول بين بعضها.
وليذهب الميت للجحيم بعد ذلك!

طارق الجارد، ٦ مارس ٢٠٢٤م، لشبونة.


* High Quality Death, Low Quality Death
هكذا!

  • من المهم الحديث عن رعاية المحتضرين والاهتمام بالخدمات التلطيفية. والبحث عن طرائق لتشجيع هذا الحديث. ووضع معايير لتتبع ذلك وتطويره جزء من هذه العملية.
    أول خطوة على تلك الطريق: عدم الاستخفاف بالموت واحترام كرامة الميت في سبك المصطلحات. والاعتراف بأن للأشياء قيمة، ولا يعني ذلك أن لكل قيمة عدد.
    فللحياة قيمة، وللموت قيمة. ولكن أي معنى للأعداد عند من يكابد الحياة، ومن ينازع الموت؟!
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ