ما لم يقله أوليفر ساكس عن سنة الرحمة

أول ضحايا الحرب: الحقيقة. ثم الأخلاق، ثم تتوالى الضحايا البشرية بعد ذلك. لكي يقتل البشر بعضهم -بغير وجه حق- يحتاجون إلى كذبة ترفعهم فوق أسوار الفطرة، فإن أوغلوا في الدم البريء، انهد ذاك السد الأخلاقي الذي يمنعهم. قيل لهم: “إنها الحرب التي ستنهي كل الحروب”، إلا أن المشاة الانجليز سرعان ما غنوا ” نحن هنا، لأننا هنا، لأننا هنا…” لكي ينسوا عبثية الحرب و هم ينشرون الدمار في طريقهم عبر أوروبا.

الثمن الذي دفعته إسبانيا لحيادها في الحرب العالمية الأولى، أن تلتصق بها تهمة : “الإنفلونزا الإسبانية”. و لأن القوى المتحاربة قد قتلت الحقيقة في أول رصاصة قبل أن تتخندق في مواقعها، لم تكن تقدر على قول الحقيقة بعد ذلك. كان من الأسهل أن تنسب ضحاياها و أبطالها الفدائيين إلى وحشية الخصوم، ليزيد غل و حنق خندقها و يستبسل شعبها في القتال، على أن تنسبه إلى ميكروب حقير كالانفلونزا. و بقت إسبانيا الوحيدة التي لا تمانع نشر أخبار انتشار الفيروس بين شعبها، حتى اكتسب اسمها.

و لعلها رحمة أن أنزل الله الانفلونزا لتحسم الحرب قبل أن يفتك البشر ببعضهم حتى الفناء. فيشلّ الجنود عن قتال الجنود، قبل أن ينصرع آخر جندي برصاصة الجندي الأخير، و الذي سيموت بدوره من رصاصة تنطلق -عبثا- من تشنج سبابة الجندي الصريع على الزناد!

كيف تقنع الآخرين بالانتقال من مومياء لا تملك من الحركة إلا التنفس، إلى رجل يجيد الجري و الرقص؟ بالأحرى كيف تقنع الآخرين بالحقيقة؟! لم يكن هاجس “روبيرتو دي نيرو” أن يجيد الأداء الحركي الذي يتطلبه أداء الفيلم، بل أن يصدق الناس الأسطورة التي يحكيها أوليفر ساكس. كان ينصت بشغف إلى حكاية “صيف اليقظات” عام ١٩٦٩م.

دارت الإنفلونزا الإسبانية على ثلاثة أرباع أهل الأرض، و فتكت بخُمسهم. وكان بعض من نجا منها موعود بخمول و تخشب موميائي بعد سنوات من نجاتهم، و بعض أولئك موعودون بلقاء مع الطبيب أوليفر ساكس بعد أربعين عاما في مصح للعاجزين و العجزة بنيويورك، و مع تجريبه دواء الدوبامين الحائز توّا على جائزة نوبل. إن أولئك الذين كانوا كأشجار الصنوبر، يطولون فينبتون ثم ينفضون الأوراق، و يشيخون دون وعي أو حركة بمرور الفصول، قد استفاقوا ذات صيف، و قرروا المشي و الرقص، و تذوق طعم الحياة الحلو.

يقول جدي، و هو يتحسس ندبات الجدري النادرة في وجهه، التي جعلته جميلا و عظيما كمحارب نجا من معركة عصيبة: لم يكن الجدري، الجدري لا يمر على القرية مرتين في جيل واحد!. كانت حمى شديدة تطبخ الناس طبخ المرجل، حتى يفرغ كل منهم ما في معاليقه من ماء و هواء، و سبقت مولدي بخمس سنين أو أكثر. كنت أظن أن جدي سيمد يده إلى صحن السكري بيننا الذي كنت آكل منه، لكنه شد طرف شماغي مشمئزا من نعومته: أنت أطول من أبيك، و أبوك أطول من جدك، و لم تخش يوما أن تمد يدك فلا تجد تمرة. و قبل أن يصنع الانجليز أشمغتنا الصغيرة، كانت الناس لا تأكل و لا تطول، و عمامة الرجل تتسع له إذا انفردت. الكل قبل الوباء يسير و كفنه فوق رأسه، و عندما دارت الحمى على نجد لم تترك أحدا، و ما تبقى إلا أن يحفر المريض قبر الميت!. جدي يقول أيضا، أنه كان يحفظ بيتين من الشعر في هجاء نجد، مقابل كل بيت يعلمني إياه في مدحها. لكنه حينما رأى أبناءه يتطعمون عن الجدري، نسي ربعها من ذاكرته. و حينما رأى الماء يسيل من صنبور الماء في بيته أول مرة، أُنسي ربعا آخر. ثم طارت كلها من ذاكرته، حينما صلى العشاء في بيته قبل ركوب الطائرة، فأدرك وقت صلاة الفجر في الشام، ليتلو في أول ركعة {سبحان الذي أسرى بعبده…}.

دارت الإنفلونزا الإسبانية على ثلاثة أرباع أهل الأرض، و فتكت بخمسهم بنهاية سنة ١٩١٩م، التي توافق سنة الرحمة (١٣٣٧هجرية). أما اسم “جزيرة العرب”، فليست سوى حيلة عربية للتمويه على الغزاة: أن هذه الصحراء مسوّرة من كل الجهات بالبحر، و لمّا تنتهي بك سبل البحر لن تجد ماءا في شواطئها، ولا تفكر أن في قلبها سوى المزيد من الرمال و العزلة. أما العرب الذين يعرفون دروبها و وصائلها بأقاصي الأرض، فيدركون أنهم يستطيعون الوصول منها إلى إسبانيا!. قد تنطلي تلك الحيلة على الغزاة، و لكنها لن تنطلي على فيروس الانفلونزا الإسبانية. لن ينقل العثمانيون الحديد وحده، لتعبيد قطار الحجاز، بل سينقلون فوقه الفيروس. أو لنقل، أن أصابع الديناميت التي كان يمررها الإنجليز لعرب ملثمين لتدمير سكة الحديد، لا يمكن غسلها كما نغسل أصابعنا كل وضوء. يمكننا أيضا بذات المعقولية، تأمل رحلة “شوال السكر” على ذلول رجل من العقيلات، و الأيادي التي ستتناوب على حمله من سوق الجمال بالقدس إلى الرس. لنكتشف أن الانفلونزا الإسبانية لن تتوانى عن دخول نجد و تقاويمها و سواليفها.

رأى أوليفر ساكس مرضاه، بعد أن دبت فيهم الحياة صيفا كاملا، يعودون إلى السبات مرة أخرى، و هذه المرة سبات نهائي. رأى مفعول الدواء ينتهي و ينتهي معه الأمل، و رأى أن يغض الطرف عن كل تلك الحياة و الفصول المليئة بالسبات، و لا يعنونها إلا “بصيف اليقظات”. و أبى أهل نجد إلا أن يختاروا اسما لطيفا، فيه الكثير من التصالح مع القدر، و حسن الظن بالله، و اختاروا لكل ذاك البؤس و الموت الذي هبط فارتفع سريعا، عنوان “سنة الرحمة”. لأوليفر ساكس لحية كثة لا تختلف عن لحى شيبان نجد، و له نظرة لهشاشة الحياة و خفة مباهجها، لا تختلف عن نظرتهم. و أجزم أنه لو التقى أحدهم، و جلس معه مجلسي من جدي، لتخلى عن نسبة السبات إلى الانفلونزا الإسبانية، و نسبه إلى سنة الرحمة.

طارق الجارد، الرياض، ٣١ مارس ٢٠٢٠، سنة الرحمة الثانية.

———————————

هوامش:

  • أنت بحاجة للكثير من الوقار لسماع أهزوجة: “نحن هنا، لأننا هنا، لأننا هنا..” أدناه. ليس الوقار الذي يستدعيه الإنصات لرجل يكلمك من قبل قرن، بل الوقار الذي يتطلبه الإنصات لجندي في حرب متيقن من عبثيتها. فالجندي البريطاني إدوارد دواير، صاحب التسجيل، سيموت بعد عام في معركة على أرض فرنسا.
  • فيلم اليقظات: روبيرت دي نيرو، و روبن ويليامز مؤديا دور أوليفر ساكس.
  • قد يكون صعبا على البعض مشاهدة الوثائقي أدناه، و لكن بعض القصص غرائبية -كسنة الرحمة- ينبغي أن تعايش أو ترى لتُصدق، فلكم الخيار. هنا يتحدث أوليفر ساكس، و ترى مرضاه و تقلباتهم بين الحياة و السبات.

One thought on “ما لم يقله أوليفر ساكس عن سنة الرحمة

  1. قام بإعادة تدوين هذه على صُبح وأضاف التعليق:
    أظن أن الكتابة عن حدث عام لا عن تجربة خاصة لا تكون كتابة ناضجة ما لم ننفصل عن الحدث زمنيًا فنخرج من دوامته وتتسنى لنا رؤيته من مسافة.
    لكن هذه الكتابة لطارق استثناء بديع، عن عالمنا الموبوء بالفواجع، فواجع يصنعها الإنسان من تلقاء ذاته بفضل ذكائه الذي يُحيله إلى أغبى مخلوق على وجه الأرض في صراعاته وطغيانه. وفواجع خارج إرادته، تأتيه من حيث لا يحتسب ويكتشف معها ضعفه وضياعه وضآلته وكم هو أعزل في مواجهة أقداره وسط العالم المحتشد. إنسان أعزل ووحيد لا ينقذه العلم ولا الذكاء ولا الاحتراز ولا تاريخه الطويل مع الكوارث وخبراته السابقة في البقاء تحت ضغط التهديد المستمر.
    عن سنة الرحمة في نجد، بموازاة الانفلونزا الإسبانية، وعن الحرب التي يسير لها الناس بحثا عن الانتصار، وعن فايروس يختبئ منه الناس حشودا في بيوتهم مدحورين أمام مدّه الهائل الذي لا يوقفه سلاح ولا خطة هجوم.
    عن كل هذا يكتب طارق صورًا محتشدة من عالم منكوب بالقوة، مفتقد للحب… تتلاقى فيها الأزمنة المتغايرة، وضعف الإنسان قاسم مشترك في كل زمان.
    كتابة تذكرني بقول لؤي عباس عن الأدب: “لقاء مصائر لا يخلو من فجيعة”

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

إنشاء موقع مجاني على ووردبريس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: